{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا*وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ}
قصة تؤكد أن العاقل من يحتاط للأمر قبل وقوعه:
أضطر أن أروي قصة ذكرتها قبل ذلك كثيرًا: أن غديرًا فيه سمكات ثلاث؛ كيسة، وأكيس منها، وعاجزة، أي ذكية جدًا، وذكاء متوسط، وغباء، مر بهذا الغدير صيادان تواعدا أن يرجعا، ومعهما شباكهما ليصيدا ما فيه من السمك، فسمعت السمكات قولهما، أما أكيسهن فإنها ارتابت، وتخوفت، وقالت: العاقل يحتاط للأمور قبل وقوعها، ثم لم تعرج على شيء حتى خرجت من المكان الذي يدخل منه الماء من النهر إلى الغدير فنجت! هذا أعلى مستوى في العقل، أخذت حذرها، وتصرفت في الوقت المناسب، ونجت، واستراحت، وأراحت، وأما الكيسة الأقل ذكاء فبقيت في مكانها متوانية حتى عاد الصيادان، الأولى توقعت الخطر، والثانية واجهت الخطر، العاقل جدًا يأخذ حذره، ويتحرك قبل أن يقع الخطر، أما الأقل عقلًا فيواجه الخطر، وقالت: فرطت، وهذه عاقبة التفريط، غير أن العاقل لا يقنط من منافع الرأي، ثم إنها تماوتت، وتصنعت الموت فطفت على وجه الماء، فأخذها الصياد، فوضعها على الأرض بين النهر والغدير، فوثبت في النهر، فنجت بعد أن تحطمت أعصابها، ونجت بقدرة قادر، نجت، واحتمال أن تهلك قائم، وأما العاجزة فلم تزل في إقبال وإدبار حتى صيدت، هذا قليل الحيلة لا يفعل شيئًا، فقط يضرب كفًا بكف، ويشتكي همه للناس، ويسمع أخبارًا فقط. فأعقل سمكة احتاطت للأمر قبل وقوعه، والأقل عقلًا احتاطت له عند وقوعه، والغبية لم تحتط له لا قبل وقوعه ولا بعده، بل واجهته بعجز واتكال.