أيها الأخوة، أنت حينما تؤمن بالغايات البعيدة، أي بالآخرة، بالموت، ألا ترون أن الموت يجمع كل الناس، يجمع أغنياءهم وفقراءهم، وأقوياءهم وضعفاءهم، وملوكهم ودهماءهم، وأصحاءهم ومرضاهم، وأذكياءهم وأغبياءهم، الحقيقة يوجد في الدنيا سباق أنا أسميه سباق الحمقى، لو تصورنا طريقًا عريضًا هو مجال السباق، وعندنا ألف سيارة، هذه السيارات على اختلاف قوتها، وضعفها، وكبرها، وصغرها، وميزاتها، وسنة صنعها، وحجمها، السيارة الأولى آخر الطريق في هاوية، أول سيارة في السباق وقعت في الهاوية، الثانية وقعت في الهاوية، الثالثة في الهاوية، إلى أن وقعت كل هذه المركبات في الهاوية، ما قيمة هذا السباق؟
يقاتل الناس، وينهب أموالهم، يكذب عليهم، يحتال عليهم، يخيفهم أحيانًا، أو يسلك طريق الاحتيال معهم ليجمع ثروة طائلة، فيشتري بيتًا رائعًا، ثم يأتيه ملك الموت ليضعه تحت التراب، وقد ترك كل الدنيا، هذا الذي يحصل، يجمع دنياه لبنةً لبنة، قشةً فوق قشة، ليأتي ملك الموت ويأخذها منه في ثانية واحدة، ولا خاتمه، ولا مفتاح مركبته، ولا خصوصياته، كل إنسان له خصوصيات في بيته، كل يفتح ويستهلك، فلذلك أيها الأخوة أنت حينما تسعى لهدف حقيقي يقيني بعيد تكون ذكيًا وفالحًا، حينما تسعى لهدف يقيني متحقق بعيد، وتهيئ نفسك لبلوغه بنجاح، فأنت أذكى الناس قاطبةً، إن أكيسكم أكثركم للموت ذكرًا، وأحزنكم أشدكم استعدادًا له، ألا إن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والتزود لسكنى القبور، والتأهب ليوم النشور:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ}
كيف؟
{يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ}
آيات قرآنية تبين أن الإنسان مخير بين الهدى والضلالة:
دقق الآن، في آية أخرى:
{أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى}
[سورة البقرة: 16]