يبدو أن هذه الحشرة هيَّنةٌ على الناس، لكن الشيء الذي يلفت النظر هو أن الشيء كلما صَغُر كلما احتاج إلى صنعةٍ بارعة، فقد تجد مذياعًا كبيرًا فلا يثير دهشتك، أما إن رأيته صغيرًا فإنه يستأثر باهتمامك، وأما إن رأيت ساعةً فيها مِذياع فإنك تزداد اهتمامًا وانتباهًا، وتدرك أن فيها دقة صُنع.
أطلعني أخٌ كريم على جهاز كمبيوتر بحجم كف اليد فيه كل البرامج التي توضع في الكبير، وفيه اتصال دولي، وفيه إنترنت ـ شيء لا يُصدق ـ بحجمٍ صغير، فكلَّما صغرت الآلة كان وراءها صنعةٌ بارعة، هناك أحيانًا آلات تصوير تُثَبَّت في قدَّاحة وتستخدم لأغراضٍ خاصَّة؛ كآلة تصوير فقط، وأحيانًا آلة تصوير متحركة، وقد تكون قطعة كحبة العدس تُلتَقط بها الأصوات وتُسَجَّل، فكلَّما صغر الشيء احتاج إلى صنعةٍ بارعة وأثار الاهتمام.
الإعجاز في خلق البعوضة:
توصل أحد العلماء قبل أشهر عديدة إلى جهاز يقيس عشرة مرفوعة إلى قوة خمسة عشر من أجزاء الثانية، أي رقم واحد أمامه خمسة عشر صفرًا، أي ألف مليون ملْيون جزء من الثانية، هذه هي الثانية ضربة واحدة، هل بإمكان إنسان أن يَصل إلى تقسيم ثانية إلى ألف مليون ملْيون جزء؟ أُعطي هذا الإنسان في جامعة في أمريكا الجائزة الأولى، يمكن أن يقاس الآن بهذا الجهاز زمن تفكك الذرة، وهناك تطبيقات كثيرة جدًا، كلَّما دَق الأمر كلّما ظهر من خلاله عظمة الصانع، طبعًا الفيل كبير، والحوت الأزرق كبير يبلغ وزنه مئة وخمسين طنًا، يحوي خمسين طنًا لحمًا، وخمسين طنًا دهنًا، ويستخرج من الحوت ما يقدر بتسعين برميلًا زيت سمك، وجبة غذائِهِ أربعة أطنان، وإرضاع صغيره ثلاثمئة كيلو في كل رضعة، هذا شيءٌ ضخم، أما حينما ترى نملة؛ فيها دماغ، وفيها ذاكرة، وفيها جهاز هَضم، وفيها جهاز إفراز، وفيها جهاز مَعرفة، وفيها جهاز شمّ، لها نشاطات مخيفة، حينما ترى نحلة صغيرة، حينما ترى بعوضة، فما عليك إلا أن تلوذ بقوله تعالى: