فهرس الكتاب

الصفحة 22003 من 22028

في السورة الماضِيَة وُجِّهَت الآياتُ على أساس أنَّك إذا خِفْتَ من مخْلوق شِرير، أو إذا بدَتْ لك مُصيبة أو شبَحُ مصيبة، أو خِفْتَ مرَضًا عُضالًا أو جُرْثومًا فتاكًا وعَدُوًّا قهارًا، إذا خِفْتَ من أمْثال هؤلاء فقُلْ أعوذ بِرَبِّ الفلق، اليوم هذا الكمال العظيم، وهذا الخُلُق العظيم، الرِّفْعَة العالية، والثبات على المبْدأ، وهذه السعادة التي لا توصَف، لو بقيتُم على الحال التي أنتم فيها عندي لَصافَحَتْكُم الملائِكة، ولزارَتْكُم في بُيوتِكم، فَمَن مِنا لا تسْتَهْويهِ أخْلاق النبي عليه الصلاة والسلام؟ ومن منا إنْ كان صادِقًا فعليه أنْ يذْهب إلى الحرَمِ النبوي الشريف ويقف أمام حُجْرَتِهِ الشريفة ولا يبْكي؟ ما الذي جَمَعَكَ به؟ فأنت لم ترَهُ! بعد ألف وأربعمئة عام تقِفُ أمام حُجْرَتِهِ فَتَبْكي، أليس لأنَّهُ على خلُقٍ عظيم، أليْس لأنَّ رحْمته وسِعَتْ أُمَّتَهُ كُلَّها؟ أليس لأنَّهُ كان نَبِيَّ هذه الأُمَّة؟ أليس لأنَّهُ لم يقُل شيئًا بلِسانِهِ إلا طَبَّقَهُ في سُلوكِهِ؟ يكْفيهِ بعضُ المواقف! ففي رحلة العمُر التي انتهت عند الحديبية كانت الرواحل ثلاثمئة، والجُنود أكثر من ألف فما الحيلة؟! فقال عليه الصلاة والسلام وهو قائِدُ الجَيْش: لِيَتَناوَبْ كُلُّ ثلاثةٍ على راحِلَة، وأنا وعَلِيٌّ وأبو لُبابة على راحِلَة، فلما جاء دَوْرُهُ في المَشْيِ قال له صاحِباهُ: يا رسول الله اِبْقَ راكِبًا، فقال عليه الصلاة والسلام - وهو نَبِيُّ هذه الأُمَّة كلماتٍ لو أعَدتُها آلاف المرات لا أشْبَعُ منها: ما أنا بأغْنى منكما عن الأجْر، ولا أنتما بِأقْوى منِّي على المَشْي! وكان النبي عليه الصلاة والسلام مع أصْحابِهِ في نُزْهَة، فقال أحدهم: عَلَيَّ ذَبْحُ الشاة، وقال الآخر: علَيَّ سَلْخُها، وقال الثالث: وعَلَيَّ طبْخُها، فقال عليه الصلاة والسلام: وعَلَيَّ جمْعُ الحَطَب، فقال له أصْحابُهُ: يا رسول الله نكْفيكَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت