هناك من يكْفر بالله مُسَيِّرًا وإلهًا، فلا يرى أنَّ الأمور بِيَدِه، وأنَّهُ لا حركة ولا سَكَنَة، ولا عطاء ولا منْع، ولا رِفْعَة ولا خفْض ولا رزْقَ إلا بِيَد الله سبحانه وتعالى، لا يرى ذلك! إذًا هناك كفْرٌ بالألوهِيَّة، وهناك كُفْر بأسْماء الله الحُسْنى، فقد يُعايَن بعض الأخْبار السَيِّئة؛ كوارِث وفيضانات ومجاعات في العالم؛ تراهُ يشْمَئِزُّ قائِلًا: إنَّ الحياة كُلُّها قَسْوة وشقاء، والأغْنِياءُ وَحْدَهُم السُّعداء، والفقراء مسْحوقون؛ فهذا كُفْرٌ بِأسْماء الله الحُسْنى، وكُفْر بِحِكْمَتِهِ ورَحْمَتِه وعدالتِهِ، فالكُفْر أنْ تكون في عَمًى عن حقيقةٍ ما، فإذا كان شيء أمامي فإما أنْ أضَعَ بيني وبينه سِتارًا فأنا لا أراه وإما أنْ أنْصَرِفَ عنه فأنا لا أراه، فإما أنْ تكون الغشاوةُ سَبَب الكُفْر وإما أن يكون التَوَلي سبب الكُفْر، وعلى كُلٍّ يُخْطِئ من يظُنّ أنَّ الكافر هو الذي يُنكِرُ وُجود الله سبحانه وتعالى! ذلك هو المُلْحِد، فالإلْحادُ إنْكارُ وُجود الله، فهناك إلْحادٌ بِوُجود الله، وهناك إلْحادٌ في أسْمائه، وهناك إلْحادٌ بِتَصَرُّفاته، فهناك مَن يقول: الإنسان خالق أفْعاله، كالمُعْتزلة الذين يقولون: الإنسان خالق أفْعاله، هذا إلْحادٌ في تَصَرُّفاته، فلْنَدَع الإلْحاد جانِبًا، فالكُفْرُ إعْراض، لِنَضْرب مَثَلًا، قد يكون الطالبُ في الصَفّ، وأمامه مُدَرِّس ملء السَّمْع والبصر، إنْ تلَهى عن دَرْسِه، وشُغَل عن شَرْحه، والْتَفَتَ إلى أشْياء سخيفة، مُعْرِضًا عن عِلْمِهِ، فهذا كافرٌ بِمُدَرِّسِه، مع أنَّهُ يملأُ سمْعَهُ وبصرهُ، فالكُفْر هو الإعْراض، قال تعالى:
{وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ}
[سورة التوبة: 54]