إنْ فَسَّرْنا البلد مكَّةَ المُكَرَّمة، والبلد الحرام التي جعلها الله مثابةً للناس وأمْنًا، ومنع فيها المُنازعات والحُروب وسَفْك الدِّماء والصَّيْد، وجعلها مثابةً إليه وعَوْدَةً إليه وآمِنَةً:
{وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ}
ومما يزيدُ حُرْمَتَها أنَّكَ فيها يا محمَّد! ففي آياتٍ أُخْرى يقول الله عز وجل:
{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}
[سورة الأنفال: 33]
بعضهم فَسَّر هذه الآية بأنَّ الله سبحانه وتعالى لا يُعَذِّبُ أُمَّةً تُحِبُّ رسولها، فما دامتْ محبَّةُ النبي عليه الصلاة والسلام فيهم فلن يُعَذِّبَهم الله تعالى، ومِمَّا يزيد حُرْمَةَ الكعْبة أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام فيها زادَها حُرْمَةً على حُرْمَة، والله سبحانه وتعالى حينما قال:
{فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ}
[سورة الواقعة: 75]
ومواقِعُ النجوم مسافات قد لا يسْتطيعُ العقْلُ إدْراكَها، عَشْرَةُ آلاف مليون سنة ضَوْئِيَّة! حينما لم يُقْسِم الله تعالى بِهذه الآية الكبيرة، قال تعالى:
{فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ* وَمَا لَا تُبْصِرُونَ}
[سورة الحاقة: 38 - 39]
أَقسْم بِعُمُرهِ الثمين فقال:
{لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ}
[سورة الحجر 72]
ما هذا العُمُر؟ ثلاثٌ وسِتون عامًا أفاضَتْ على البَشَرِيَّة هُدىً وسعادَةً للأرض بِأَكْمَلِها سادَتْها الفضيلة والسعادة، والتوحيد، إنه إنْسانٌ واحد قلبَ المقاييس كُلَّها، جاء الحياة فأعْطى ولم يأخذ، وقدَّسَ الوُجود كُلَّهُ، ورعى قَضِيَّةَ الإنسان، وزكى صِياغة العقْل، ونهْنه غريزة القطيع، وعاش واحِدًا بين الجميع، وكان بِإمْكانه أن يعيش واحدًا فوق الجميع، ولذلك استحَقَّ النبي الكريم صلى الله عليه وسلَّم وهو سيِّد البشر أن يُقْسِمَ الله عز وجل بِعُمُرِهِ الثمين: