المقْطَعُ الأخير، ما علاقته بالمقاطع الأولى؟ لو أنَّ أهْل الجنَّة كما وَصَفَهم الله عز وجل يسْعدون إلى أبد الآبدين، وأهْل النار كما وَصَفَهم الله عز وجل يشْقَوْنَ إلى أبد الآبِدين، وأنَّ الآيات مَبْثوثةٌ في كُلِّ مكان، في أنْفسكم، وفي طعامكم، وفي شرابكم، وفي النبات، وفي الحيوانات الأهْلِيَّة وغير الأهْلِيَّة، وفي الجِبال والبحار، وفي السُّهول والصحارى، وفي الطيور والأسماك، إذا كان أهل الجنَّة كذلك والآيات كذلك وأهْل النار كذلك وهذا الإنسان لا يُفَكِّرُ فيها فماذا يجب عليك أنْ تفْعَلَهُ أنت؟!
قال تعالى:
{فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ}
الإنسان لا يفكّر، هل تتْرُكُهُ على حاله؟ لا بُدَّ من التَّذْكير، ما معنى فَذَكِّرْ؟! حينما تقْرأ صفْحَةً من كتاب قد لا تذْكُرُها فإذا جاءَكَ صديقٌ أو زميل وذَكَّرَكَ بها تذْكُرُها، لا بدَّ من أن تكون قد قرأتها، فَفِعْلُ (ذَكِّر) يسْتلزم أنَّ في النَّفْس شيئًا كامِنًا، إذا ذَكَّرْتَ به الإنسان يذْكُرُهُ فلولا هذا الشيءُ الكامن، ما معنى قوله تعالى:
{فَذَكِّرْ}
لم يقُل الله تعالى: (عَلِّمْ) إنما قال: (ذَكِّرْ) ، معنى ذلك أنَّ شيئًا كامِنًا جئتَ أنت أيها النبيّ فَذَكَّرْتَهُ به فَذَكَرَهُ، ما هو هذا الشيء الكامن؟ الفِطْرَة، حينما خلق الله الإنسان خلقهُ بِفِطْرَةٍ لا ترْتاحُ إلا إذا عَرَفَتْهُ، مثلًا السَّمَكة طبيعتها وشَكْلُها وزعانِفُها وأكْياسُ الهواء فيها، بُنْيَةُ السَّمَكَة من ألفها إلى يائِها مُهَيَّأةٌ لِتَكون في الماء فإذا وَضَعْتَها في الماء ترْتاح، وإذا خَرَجَت منه تحَرَّكتْ واضْطَرَبَتْ وماتت فالإنْسان إذا عرف الله عز وجل عاد إلى فِطْرَتِهِ، ربنا عز وجل خلق الإنسانَ ضعيفًا فإذا عرف الله عز وجل اِطْمَأنَّ وإذا انْقَطَع عنه اضْطَرَبَ فَحَياةُ الذين لا يسْتقيمون على أمْر الله مُضْطَرِبِة، وحياتُهم قَلِقَة وفيها نَغَص قال تعالى: