هذه الصيغة صيغة قسم، والمُقسِم دائمًا يقسم بشيء عظيم، فهذه الآيات الكونية التي هي ِمن خَلقِ اللهِ عز وجل، كيف يقسم الله بها وهو خالقها؟ هناك من يقول: إن هذه الواو إذا جاءت في القرآن الكريم ليست واو القسم، إنما هي واو لفت النظر، لأن الله عز وجل هو الأعظم، وهو الذات الكاملة، وكل شيء دونه، فإذا أقسم الله بشيء من خلقه فليلفت نظرنا إلى قيمته، وإلى خطورته، وإذا قال الله عز وجل:
{فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ}
هذا الشيء من خلقه، كن فيكون، وهناك معنى ثالث لطيف جدًا هو أنه إذا قال إنسان لإنسان: والشمسِ في كبد السماء ساطعة، قلت له: أتقسم أن هذه الشمس ساطعة؟ يقول لك: هذه حقيقة صارخة لا تحتاج إلى قسم، شيء طبيعي جدا أن الشمس ساطعة، وأن كل الناس يرونها ساطعة، فهذا شيء بديهي مسلم به، لا يحتاج إلى قسم.
على كلٍّ لك أن تحمل قوله تعالى:
{فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ}
أي هذه الآيات الكونية الصارخة الدالة على عظمة الله لا يحتاج إلى أن يقسم الله بها:
{فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ}
وقال بعضهم:"لا"زائدة، أي أقسم، وعلى كلٍّ هذه الآية الكونية، إنْ قال الله:
{فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ}
أقسم بها لعظمتها ولأنها من خلقه، هذا أوّلًا، وإن أقسم بها فليُلفِتَ نظرنا إليها ثانيًا ولتكون أداة لمعرفة الله، وإن لم يقسم بها فلأنها من خلقه، فلا داعي لأنْ يقسم بها، وهذا ثالثًا.
الخنس: النجوم، وكلكم يعلم أن في الكون، طبعًا الرقم التقريبي الآن مئة ألف مليون مجرة، والعدد المتوسط في المجرة الواحدة مئة ألف مليون نجم، هذا ما علمه الإنسان اليوم، قال تعالى:
{وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا}
[سورة الإسراء: 85]
وقال تعالى:
{وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ}
[سورة البقرة: 255]