لما كنت صغيرًا، طفل يرضع من ثدي أمه، طفل توضع له الفوط، طفل لا يفقه شيئًا، لا يعلم شيئًا، ضعيف التفكير، ساذج، فطري، بعد ذلك أصبح ذا شأن كبير، معه شهادة علمية عالية جدًا، أو له حجم مالي كبير جدًا، أو يحتل مركزًا مرموقًا جدًا، نسي أنه قد أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا، عظماء العالم كانوا أطفالًا، وحينما كانوا أطفالًا لا أحد يعبأ بهم، عظماء العالم كلهم، كانوا أطفالًا، فحينما كانوا أطفالًا كانوا بحاجة ماسة إلى ثدي أمهم، إلى من تنظفهم، إلى أب يرعاهم، إلى أب يأتيهم بالطعام ليأكلوا، إلى طبيب يعالجهم، إلى رعاية مكثفة من أمهم أو أبيهم، فلما أصبح إنسانًا كبيرًا، إنسانًا ذا خطر، إنسانًا ذا مكانة، ذا حجم مالي كبير، نسي طفولته، ونسي أصله، وتغطرس على عباد الله، نسي أصله وطفولته، واستعلى على عباد الله.
نسي أصله وطفولته وبنى مجده على أنقاض الناس، أو بنى غناه على إفقارهم، أو بنى حياته على موتهم، نسي الذي خلقه، نسي الذي صوره في بطن أمه، نسي الذي سهل له السبيل (الخروج) من بطن أمه.
{ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) }
(سورة عبس)
منعكس المص عند الإنسان:
نسي الذي هداه الثديين، نسي الذي أعطاه منعكس المص، لولا منعكس المص لما كنا في هذا المسجد، لما رأيتم واحدًا على وجه الأرض منعكس المص، الطفل بمجرد أن يولد من دون تعليم، من دون توجيه، من دون أن يخضع لدورة، من دون أن يقرأ كتابًا، يضع شفتيه على ثدي أمه، ويحكم إغلاقهما ويسحب الهواء، عملية معقدة، لو أن هذا المنعكس لم يكن مع هذا الصغر، وأراد الأب من ابنه الذي يولد لتوه أن يعلمه كيف يمص ثدي أمه، تفضل علمه، اعمل له دورة، قل له باللغة العربية يا بني ضع شفتيك على ثدي أمك وأحكم إغلاقهما ثم اسحب الهواء، من أجل أن تعيش، لولا هذا المنعكس الذي أودعه الله فينا لما رأيتم على وجه الأرض إنسانًا.