وقد يقول لك الإنسان أحيانًا: أريد طبيب هضمية متفوق؛ فيسأل أصدقاءه ومعارفه وأقرباءه وبعض المرضى عن شهادته و اختصاصه و خبراته وسمعته و أمانته و ذكائه وتواضعه، إلى أن يوصله عقله إلى هذا الطبيب، فإذا دخل إليه أعطاه الدواء، فهل يستطيع هذا المريض بعد ذلك أن يعترض على هذا الطبيب؟ لا، لقد انتهت حدود عقل المريض، فعقله أوصله إلى باب العيادة وانتهى الأمر، أما الآن فهو يتلقى، و الشيء اللطيف في الموضوع هو أن الشيء الذي يعجز عقلك عن إدراكه أخبرك الله به، وهذا شيء جميل جدًا، فقد جعل لك أشياء محسوسة وأعطاك خمس حواس، وجعل لك أشياء مغيَّبة عنك وأعطاك عقلًا، فعقلك له مهمة محدودة، فهل يا ترى كلمة (محدودة) نقص في العقل؟ لا إنها ليست نقص، فإذا كان عندك مثلًا زوجة وثلاثة أولاد فإنك تحتاج إلى مركبة، فهل من المعقول أن نعطيك (تراكس) لتخرج به إلى نزهة؟ هذا ليس كمالًا، أنت تحتاج إلى مركبة بعشرة أحصنة وليس إلى مركبة بخمسمائة حصان -أحصنة سيارة طبعًا وليس أحصنة عادية-، فلذلك كان كمال عقلك في أن يكون محدودًا بالمحسوس وبالآثار، أما العقل المطلق فهو الله عزَّ وجل، فالشيء الذي عجز عقلك عن إدراكه أخبرك الله به، و القضية سهلة، قال تعالى:
{اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا}
(سورة الرعد: آية"2")
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}
(سورة الذاريات)
لقد عرَّفك بذاته، وعرفك بأسمائه، وعرفك بكمالاته، و عرفك بالأنبياء السابقين، قال تعالى:
{وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ}
(سورة آل عمران: آية"44")
عرَّفك بتاريخ الأنبياء وتاريخ الشعوب والأمم السابقة، كما عرفك بالمستقبل: