فهذا الذي لا يأخذ بهذا الوعيد إنسان أحمق، ومن الذي لا يخاف الله؟ إنه الإنسان الذي عطَّل تفكيره و إدراكه، لذلك تراه لا يخاف، وأضع لك مثالًا على ذلك: قد تأتي بطفل عمره سنة واحدة، فيجلس في أثناء الحصاد، وقد يمرّ أمامه ثعبان لو رآه رجل شديد لولَّى هاربًا، لكن هذا الطفل لا يتأثَّر ولا يبكي بل إنه يضع يده عليه، لماذا لا يخاف منه؟ لأنه لا يُدرك، لو أدرك لخرج من جلده و صاح صيحةً ملأت الأُفُق، لكنه لا يُدرِك، فالذي لا يخاف قد عطَّل إدراكه. قال:
{وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ}
فلو كان عند إنسان قدرة على أن يفعل لك بعض الأشياء المزعجة التي لا تحتمِلُها، فإنك تحسب له مليون حساب، وذلك لأنك تخاف أن يعذِّبك، لكن الإله تبارك وتعالى يقول لك عن نار جهنم ..
{كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ}
(سورة النساء: آية"56")
إن الناس يتحرَّكون في الطرقات، وفي دور اللهو، ويأكلون أموال الناس بالباطل، ويستعلون على غيرهم وكأن شيئًا لم يقع، إن هؤلاء عطَّلوا إدراكهم، وهم عديمو الإدراك لأنهم لو أدركوا لخرجوا من جلودهم، وقد ورد في بعض الآثار:
"أنه ما من بيتٍ إلا وملك الموت يقف فيه في اليوم خمس مرَّات، فإذا رأى أن الإنسان قد انتهى أجله وانقطع رزقه ألقى عليه غمَّ الموت فغشيته سكراته، فمن أهل البيت الضاربة وجهها، والممزقة ثوبها، والصارخة لويلها، يقول: فيما الجزع؟ ومما الفزع؟ ما أذهبت لواحدٍ منكم رزقًا، ولا قرَّبت له أجلًا، وإن لي فيكم لعودة، ثم عودة حتى لا أبقي منكم أحدًا، فوالذي نفس محمدٍ بيده لو يرون مكانه ويسمعون كلامه لذهلوا عن ميتهم، ولبكوا على أنفسهم".