إذًا: إنك لن تتوب إلا إذا عرفت موقعك من الدين، ولم تعرف موقعك من الدين إلا إذا طلبت العلم، وحينما يكون الإنسان مع الجماعة المؤمنة يعرف الحلال والحرام، الخير والشر، ما ينبغي وما لا ينبغي، أما إذا شرد وحده فإنه يفتي لنفسه، ويتصوَّر لنفسه تصورات ما أنزل الله بها من سلطان، يقول لك: ماذا نعمل؟ أنا ألتقي مع أناسٍ كثيرين، أنا أعلم علم اليقين أنهم غارقون في أكثر المعاصي، يقولون لك: نحن مستقيمون، لأنه ما طلب العلم، ولم يعرف موقعه من الدين، ولا عرف الحلال والحرام، ولا الخير والشر، ولا ما ينبغي، وما لا ينبغي.
لذلك التوبة النصوح من أركانها أن تتعلم، إن تعلمت عرفت أنك مذنب أو غير مذنب، عرفت أنك على حق أو على باطل، عرفت أنك على المنهج الصحيح أو المنهج غير الصحيح، عرفت ما إذا كان دخلك حلالًا أو حرامًا، عرفت ما إذا كان إنفاقك حلالًا أو حرامًا، هذا لا تعرفه إلا إذا طلبت العلم.
2 ـ الحال والعمل:
الشيء الثاني أن الإنسان إذا علم أنه على غلط، وأنه في طريق غير صحيح يتألَّم لحرصه على نفسه، ولحبه لوجوده، وحبه لسلامة وجوده، وحبه لكمال وجوده، وحبه لاستمرار وجوده يتألم، إذا لم يكن هناك تألم لم تكن هناك توبة، لأن العلم يورث حالًا، والحال يورث عملًا.
بشكل مبسَّط: رجل يمشي في بستان فرأى أفعى، إن تصورتها قضيبًا فإنك لا تخاف، ولا ينشأ عندك حال، أما لو رأيت هذا القضيب يتلوَّى ـ أعوذ بالله ـ معنى ذلك أنها أفعى، فإن علمت أنها أفعى اضطربت، والاضطراب دليل سلامة الإدراك، فإن كان الإدراك صحيحًا صار عندك حال، وخوف، واضطراب، ووجل، وإذا كان الاضطراب صحيحا والحال صحيحا كان هناك حركة، فإما أن تقتلها، وإما أن تولي هاربًا منها، هذا قانون: إذا صح الإدراك، صح الانفعال، صح السلوك، تدرك، تنفعل، تتحرك، هذه أركان التوبة، علمٌ، وحالٌ، وعمل.