فهرس الكتاب

الصفحة 18190 من 22028

نصف العالِم هو أخطر إنسان على المجتمع:

أحيانًا تقرأ أمورًا تُحيِّر، فهذه الغدَّة الثَّدْيِيَة في الحيوانات اللبونة، عبارة عن قُبَّة فوق أوْعِيَةٍ دَمَوِيَّة، تختار من الدَّم المواد الطاهرة النَّقِيَّة التي تُناسبها، وتصْنَعُهُ حليبًا، والتعليق الذي يلفت النَّظر أنَّه حتَّى الآن لا أحد يعلم كيف تعمل هذه الخليَّة؛ تأخذ دمًا فتَجْعلُهُ حليبًا! وأنت إذا قرأت كتبًا علميَّة منصِفة تجد هذه العبارة كثيرًا، فلا أحد يعلم كيف يصبح الحليب حليبًا وكيف يتم ذلك؟

الآن العلماء انصرفوا لا إلى كُنهِ الأشياء، ولكن إلى ظواهرها، فالكهرباء مثلًا لا أحد يعلم كُنْهها ولكن نعلم ظواهرها فعلامة العالم التواضع، وعلامة الجاهل الكِبْر، وأخطر إنسان هو نصف العالم؛ لا هو عالم فهو يُفيد من علمِهِ، ولا هو جاهل فيتعلَّم، والإمام علي كرّم الله وجهه يقول: قِوام الدِّين والدنيا أربعة رِجال؛ عالم مُستعمل علمه، وجاهل لا يستنكف أن يتعلّم، وغنيّ لا يبْخل بِماله، وفقير لا يبيع آخرته بِدُنياه، ثمَّ يقول هذا الإمام الجليل: فإذا ضيَّع العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلّم، وإذا بخل الغني بِماله باع الفقير آخرته بِدُنيا غيره.

أيها الأخوة، المؤمن مهما ازداد علمه يزداد تواضعه، والإمام الشافعي يقول: كلّما ازْددْتُ علمًا ازْددْتُ عِلمًا بِجَهلي، والإمام مالك رحمه الله، وهو سيّد علماء عصره جاءَه وفد من بلاد الأندلس، ومعه ثلاثون سؤالًا فأجاب عن سبعة عشر سؤالًا، أما الأسئلة الباقية فلم يُجب عنها، فقالوا له: أنت إمام، وقد أتيناك من طرف الدنيا، ثمّ تقول: لا أدري؟ فقال لهم بملء فمِهِ: قولوا لهم الإمام مالك لا يدري، نصف العلم لا أدري، فإن لم تكن تعلم فقل: لا أعلم، ولا تتحرّج، فهذا الذي يظنّ أنَّه يعلم كلّ شيء هو لا يعلم شيئًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت