أوَّلا، قوله تعالى: حم، هذه الحروف أوائل السور، الحروف المقطعة، كما أذكر دائمًا، وأُعيد، للمفسرين فيها مذاهب شتى، بعضهم قال: الله أعلم بمراده، وبعضهم قال: من هذه الأحرف نُظم القرآن الكريم، والله سبحانه وتعالى يتحدى الناس أجمعين، أن يأتوا بآية أو سورة من مثله، مع أن المواد الأولية بين أيدينا؛ ثمانية وعشرون حرفًا في اللغة العربية نُظم منها هذا القرآن الكريم، أي تقريبًا للحقيقة، مكونات الحليب معروفة، مكونات البيضة معروفة، هل يستطيع البشر قاطبة أن يصنعوا بيضة كالتي خلقها الله من الدجاجة، هل يستطيعون أن يجعلوا هذه الحشائش الخضراء لبنًا سائغًا للشاربين، فالإنسان، عضلاته، عظامه يقال لك: كلسيوم، مغنيزيوم، حديد، مكوناته معروفة، كلُّها تدخل في تركيب جسم الإنسان، هل بإمكان البشر أن يخلقوا الحياة في الكائن؟ المواد معروفة، أما الحياة فهي سر من أسرار الله عز وجل، إذن من هذه الأحرف نُظم القرآن الكريم.
والحقيقة لو سألت، هل هناك دليل عقليٌ، قطعيٌ، جامعٌ، مانعٌ، يثبت للإنسان من دون أدنى شك أن هذا القرآن كلام الله؟ طبعًا نعم، والدليل هو الإعجاز، كلما قرأت القرآن، وكلما تدبرت آياته، وكلما وقفت على إشاراته، تشعر أنه من سابع المستحيلات، أن يكون هذا الكلام كلام البشر، يعني لما ربنا عز وجل مثلًا قال:
غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ
[سورة الروم]
قال في أدنى الأرض، ما أحد يعرف على الإطلاق وقت نزول كتاب الله، أن أخفض نقطة في الأرض هي غور فلسطين، والمعركة التي جرت بين الفرس والروم وقعت في غور فلسطين، فقال سبحانه: في أدنى الأرض، هذا من إعجاز القرآن العلمي، قال:
وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَاتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27)
[سورة الحج]