إن الإنسان لا ينتظر من الله تأديبًا، انطلق إليه قبل أن يحملك على أن تنطلق إليه، انطلق إليه طواعيةً، انطلق إليه مبادرةً، انطلق إليه حبًا قبل أن يسوق الله للإنسان مصيبةً يجعله ينطلق إليه مقهورًا، وشتَّان بين أن تنطلق إليه باختيارك، وبين أن تنطلق إليه مقهورًا.
أرجو الله سبحانه وتعالى أن نكون جميعًا غير هذا النموذج:
{وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ}
المؤمن يزداد طاعةً، والتفاتًا، وإقبالًا، وشكرًا، وعملًا صالحًا، وتضحيةً، ومؤاثرةً كلَّما زاده الله إكرامًا، لذلك:
{لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ}
(سورة إبراهيم: من الآية 7)
إذا كان الإنسان بحالة طيِّبة، في بحبوحة، أموره ميسَّرة ليس عنده مشكلة، وأراد أن تستمرَّ هذه الحالة من دون أن تهتز فعليه بطاعة الله، لقول الله عزَّ وجل:
{إنّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}
(سورة الرعد: من الآية 11)
لا تغيِّر كي لا يغيّر، إذا كان الإنسان متمتِّعًا بصحَّة، متمتِّعًا ببيت، متمتِّعًا بأهل، عنده سعادة، هذا التمتع بهذه السعادة لو أنه ثابر على طاعة الله، وعلى عبوديَّته لله، وعلى خدمته للخلق، وعلى أعماله الصالحة أغلب الظن أن الله سبحانه وتعالى لا يغير ما به أبدًا، بل إنه يزيده من فضله، فالمؤمن دائمًا من حال إلى أرقى، من سعادة إلى أرقى، من توفيق إلى أكثر، دائمًا في ازدياد، أي أن المؤمن خطه البياني صاعد صعودًا مستمرًا، حتى لو جاءه الموت يبقى خطَّه البيانيُّ صاعدًا، ما الموت إلا نقطة تحوُّل بسيطة على هذا الخط، خلع ثيابًا، وارتدى ثيابًا، وبقي خطه البياني صاعدًا ..
{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ}