فإضافةً إلى عذاب الحريق، وإلى عذاب النار المادي، هناك عذابٌ نفسي لا يحتمل، فهؤلاء الذين كفروا، معنى كفروا أي كذبوا بالحق لما جاءهم، كذبوا وأعرضوا، الإيمان تصديق وإقبال، الكفر تكذيب وإعراض، هؤلاء الذين كفروا يصيبهم من الألم ما لا سبيل إلى وصفه، حتى أن الله سبحانه وتعالى يقول:
{فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ}
(سورة البقرة)
لا يحتمل الندم والخسارة أحدٌ:
أيها الإخوة ... مشاعر الندم صعبة جدًا، الإنسان إذا اكتشف فجأةً أنه خسر خسارةً كبيرة، الخسارة في الدنيا صعبة، خسارة المال صعبة، يكون التاجر يتمتع بصحةٍ تامَّة، وله بيت، وله مركبة، وله متجر، وله مستودعات، ومعه أموال طائلة، يعقد صفقة من الصفقات فيخسر أرباحها، وقد يخسر جزءًا من رأس ماله، تراه بأحوالٍ لا توصف، الخسارة مؤلمة، خسارة جزءٍ من المال مؤلمة فكيف خسارة المال كله.
أطباء القلوب عندهم حالات كثيرة، أزمات قلبية حادة أساسها فقد المال، والإنسان يوم القيامة لم يفقد ماله، بل فقد نفسه، رأس ماله الوحيد لدخول الجنة تزكية نفسه، جاء إلى الدنيا وغفل عن الكون الذي سخَّره الله تسخير تعريف، استخدم عقله على خلاف ما خلق له ـ كما قلت في الدرس السابق ـ استخدم عقله بخلاف ما خلق له، لم يعبأ بفطرته، نادته فطرته: لا تفعل، يا عبد الله لا تفعل. لم يستجب لنداء الفطرة، ولم يستمع لصرخة العقل، ولم ينظر إلى عظمة الكون، ولم يعبأ بهذا التشريع، ولم يستخدم حظوظه إلا في خلاف ما خلقت له، استخدم الشهوات لا ليرقى بها إلى رب الأرض والسماوات، بل ليهوي بها إلى أسفل سافلين.