الإنسان مؤلفٌ من ماء، ومن حديد، يصنع مسمارًا واحدا، ومن فسفور، ومن كِلس، المواد التي يتألَّف منها جسم الإنسان أصبحت محددةً ومقننة، هل بإمكان الإنسان أن يصنع إنسانًا من هذه المواد التي بين أيدي البشر؟ الطعام الذي تأكله بعض الأنعام بين أيدينا هل بإمكاننا أن نصنع الحليب من هذا الطعام الذي تأكله بعض الأنعام؟ المواد التي تاكُلها بعض الحيوانات الأهلية بين أيدينا، هل بإمكان الإنسان أن يصنع بيضةً واحدة؟ هل بإمكان الإنسان أن يصنع لتر حليبٍ واحدا؟ هل بإمكان الإنسان أن يصنع خليةً؟ لا أقول: بشرًا سويًا، خليةً، شريانًا، قطعةً من كبد، إذًا لحكمةٍ أرادها الله عزَّ وجل، الموادُ الأولية التي خلق الله منها الإنسان وخلق الحيوان وخلق النبات متوافرةٌ بين أيدي الناس، ومع ذلك كلُّ الخلق لو اجتمعوا لا يستطيعون أن يصنعوا ذبابةً واحدة، ولو اجتمعوا.
من هذا القبيل، وهذا كلام الله، خلقه فيه إعجاز، لا تزال الحياة سرًا حتى الآن، فهذا الكبد الذي يقوم بخمسة آلاف وظيفة، إذا خرجت الروح من الإنسان لماذا يصبح قطعةً من اللحم الفاسد؟ وكذا الشأن عند الحيوان، وهو ما يقال له عند اللحام: سودة، أريد نصف كيلو من السودة، كان قبل أن يذبح الحيوان كبدًا، وكان يقوم بأدوار خطيرة جدًا، ما هذا السر؟ فأي شيءٍ فيه حياة لا يزال سرًا ..
{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا}
(سورة الإسراء)
بذرة التين أدقُّ من رأس دبوس، هذه إذا زُرِعَت في ظروفٍ صحيحة تُنتج شجرة تينٍ كبيرة، هذه التفصيلات، هذه الخصائص، هذه الطعوم هل هي كامنة في هذه البذرة؟ لهذه الشجرة آلاف الخصائص، آلاف الجُزئيات، كلها مبرمجةٌ في هذه البذرة، لا يزال سرُّ الحياة مجهولًا ..
{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ}
(سورة الإسراء: آية"85")