الموضوع الآخر هو أن الله سبحانه وتعالى في القصص القرآني يذكر رجلًا، ويغفل اسمه، هذا أبلغ، فإذا أردنا أن نبحث عن اسمه ماذا فعلنا؟ كأننا أردنا أن نُحَدِّدَ أو أن نخصص ما أغفله الله، لماذا أغفل الله اسم بعض الأشخاص في القصص القرآني، لأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يُعَلِّمنا أن الشخص ليس معنيًا بالموضوع، المعني هذا النموذج البشري، لو أن الله عزَّ وجل حدد هؤلاء الأشخاص بأسمائهم وأماكنهم لأصبح هذا المُشَخَّصُ غير مكرر، لكن الله عزَّ وجل أراد حينما أغفل اسم هذا الشخص الذي ذكره في قصته أن يكون مكررًا، فبين أن يكون هذا الشخص ذكره، وأغفل اسمه نموذجًا متكررًا صالحًا لكل مكانٍ وزمان، وبين أن تكون قصةً تاريخيةً وقعت وانتهى الأمر.
ربنا عزَّ وجل حيثما خَصَّص، وشَخَّص فنحن نبحث عن حكمة ذلك، وحيثما لم يشخّص، ولم يحدّد، ولم يذكر فهناك حكمةٌ بالغةٌ لا تقلّ عن حكمته إذا شخص، إذًا القرآن الكريم أحيانًا يشخّص، وأحيانًا لا يشخّص، يقول: ذي القرنين، من ذو القرنين؟ بحث العلماء واستفاضوا، وتعمَّقوا وسألوا، هذا طريقٌ مسدود، لأن الله سبحانه وتعالى لم يشخص ذا القرنين، لم يذكر اسمه لحكمةٍ بالغةٍ، وهي أنه نموذجٌ متكرر، قد يصل الإنسان إلى أعلى قوة، وهو صالحٌ، خائفٌ، منيبٌ، متواضعٌ، طائعٌ خَيِّر.
فأيّ منصبٍ مهما علا يمكن أن يوظف في طاعة الله، ويمكن أن يوظف في خدمة الآخرين، فربنا عزَّ وجل لو أنه ذكر اسم ذا القرنين اسمه، ومكانه، وزمانه، وتحديدًا وتشخيصًا، لأصبحت هذه القصة تاريخًا، ولتوهَّمنا أنه نموذج لا يتكرر، ولكن الله عزَّ وجل حينما لم يشخصه وعممه، ولم يحدد اسمه ومكانه وزمانه، جعل من هذه القصة نموذجًا إنسانيًا متكررًا.