ولكن الذي يَدُل، من هي الجهة المؤهَّلةٌ أن تدلَّ الخلق؟ فهل يصح لإنسان أن يهدي إنسانًا في معزل عن هدى الله عزَّ وجل؟ لا يصح، الإنسان جاهل، وعاجز، وأُفُقُه محدود، وعلمه محدود، له مصالح، فمثلًا لو قلت لإنسان لا دين له: دُلَّني على قماشة مناسبة، يدلَّك على الكاسدة، لأنه يريد أن يصرِّفها، هل يصح لإنسان في معزل عن كتاب الله أن يهدي الناس؟ فهل هناك هدى أرضي، الجواب: لا، فلا توجد جهة في الأرض بإمكانها أن تهدي لأنها عاجزة، لأنها محدودة، لأن آفاقها محدودة، لأنها ليست خبيرة بطبيعة النفس البشريَّة، لأن لها مصالح، لأن لها قضايا، لأنها طرف، إذًا لا يمكن للهدى إلا أن يكون سماويًا.
3 -محدودية المخلوق تدل على محدودية أساليبه وأهدافه:
وحينما كان الهدى أرضيًا رأيتم بأعينكم كيف يتصارع الناس، ويتقاتلون، وهذه الأهداف التي بقيت سنوات وسنوات أصبحت أهدافًا غير صحيحة، وتلاشت بعد سبعين عامًا، فإذا اخترع الإنسان لنفسه هدى، إذا اخترع أهدافًا، إذا رسم الإنسان أهدافًا، وسار نحوها فهناك مغالطة كبيرة، قد يكتشف بعد قرون أنه كان واهمًا، وأن هذا الكلام مخالفٌ لطبيعة النفس البشريَّة، قد يكتشف بعد فوات الأوان، وبعد أن يدفع الثمن باهظًا، وبعد أن يدفع الغالي والرخيص يكشف أنه كان واهمًا، وأنه كان مخطئًا، وأنه كان جاهلًا، وأحداث التاريخ بين أيديكم، هؤلاء الذين ابتعدوا عن الله وقالوا: لا إله، ووضعوا أهدافًا أرضيَّة وساروا نحوها، بعد سبعين عامًا رأوا أن هذه الأهداف غير صحيحة، وأنها باطلة، وأنها تشقي، ولا تسعد، أليس كذلك؟
4 -وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ
إذًا: الهدى لا يمكن إلا أن يكون من الله، لماذا؟ لأن الله عزَّ وجل يقول:
{وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} .
(سورة فاطر 14)