إذًا: كذلك يعني كما أنزلنا على موسى التوراة، وعلى داود الزبور، وعلى عيسى الإنجيل، {وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ} ، أيْ هذه سنة الله في خَلقه أن لا يدع عباده بلا أمر، ولا نهي، ولا تعريف ولا توجيه، ولا إرشاد، ولا تبين، ولا إخبار، ولا إنذار، ولا إعذار، ولا وعد، ولا وعيد، هذا شأن الله، شأن رحمته، شأن حكمته، شأن حرصه على هداية الناس، شأن أنه خلقهم ليرحمهم، خلقهم ليسعدهم.
من لوازم رحمة الله عز وجل، من أسماء الله الحسنى أنه هو الهادي، وبشكل مبسط وتمثيل بسيط: إذا رأى الأب ابنه في طريق غلط فلا يمكن لأب أن يسكت، لابد من أن يوجه، لابد من أن يُحذّر، لابد من أن يُعلّم، من أن يبين، فالمسؤولون يشقون طريقًا، وبعد شق الطريق يضعون اللافتات رحمةً بمن يمر على الطريق، هنا منعطف خطر، وهنا منزلق خطر، وهنا طريق ضيقة، وهنا تقاطع خطر، وهنا قطار سيعبر الطريق، ما هذه اللافتات، ما هذه الشاخصات إلا رحمة بهؤلاء المارة، بأصحاب المركبات، لئلا يصابوا بالأذى والهلاك.
شأن الخالق العظيم أنه لا يَدَع خلقه معطلِّين عن الأمر والنهي، لا يدَع خلقه بلا توجيه، بلا تعريف، بلا تبيين، بلا أمر لصالحهم، بلا نهي عما يؤذيهم، بلا وَعد يبشرهم، بلا وعيد يخوفهم بلا بيان لحقيقة الكون، وحقيقة الحياة، وحقيقة الإنسان بلا إشارة إلى الماضي السحيق، بلا تعريف بما ينتظر الإنسان في المستقبل البعيد، هذا كله من شأن الله عز وجل.
{وَكَذَلِكَ} ، يعني كما أنزلنا على موسى التوراة، وعلى عيسى الإنجيل، وكذلك أنزلنا عليك يا محمد هذا القرآن، لأن هذا من شأن الله، هكذا تقتضي رحمة الله.
عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: