هنا سامرًا حال، أي تمضون أوقاتكم في السمر، تسهرون إلى ساعاتٍ مُتَأَخِّرة في الغيبة والنميمة، وفي كلامٍ فارغ، وفي الحديث عن زيدٍ وعُبيد، وفي القيل والقال، تسمرون في أحاديث لا تُرضي الله عزّ وجل، تسمرون في أحاديث لا معنى لها، لا غاية منها، لا فائدة منها، لا جدوى منها:
{مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ}
في جلساتكم، في سهراتكم، في ندواتكم، في أُمْسِياتكم، في حفلاتكم، في مطاعمكم، في متنزهاتكم، في هذه الأماكن، الحديث عن الله معدوم، بل إنَّ الحديث عن الدنيا، عن الشهوات، عن النساء، عن الألبسة، عن الأسعار، عن أشياء لا تُقَدِّمُ ولا تُؤخِّر:
{سَامِرًا تَهْجُرُونَ}
لذلك كان عليه الصلاة والسلام يُصَلِّي العشاء في ثلث الليل الأول، فأحيانًا كان يؤخِّرها عن وقتها إلى ثلث الليل الأول، وكان يكره النوم قبلها والسمر بعدها، يكره النوم قبلها لئلا تضيع عليه في أفضل أوقاتها أو في كلِّ أوقاتها، ويكره السَمَر بعدها، يختم هذا النهار بصلاةٍ جيِّدة يجب أن ينام عليها، وكان عليه الصلاة والسلام يكره الحديث بعد صلاة العشاء، وكان من العلماء الأجِلاَّء من يكره الحديثَ بعد صلاة العشاء، إلا أن العلماء أجازوا أن تَسْمُرَ في إصلاح ذات البين، أو في تعلُّم العلم، أو في الأمر بالمعروف أو في النهي عن المنكر، أو أردت أن تدعو إلى الله، أردت أن توضِّح بعض آيات الله، فإن هذا مباحٌ فيما بعد العشاء بشرط أن يكون الحديثُ محصورًا في ذكر الله عزّ وجل، أما الحديث الفارغ عن الطعام والشراب، وعن أحوال الناس، وعن أحوال البيع والشراء، وعن أسعار الحاجِيَّات، أن يكون هذا بعد العشاء فإن أغلب الظن أن الإنسان يقع في بعض الإثم، لذلك اختم يومك بصلاة العشاء، ولا تتحدث بعدها بشيء إلا إذا كان في طاعة الله عزّ وجل ..