فهرس الكتاب

الصفحة 10583 من 22028

الإنسان العاقل المفكِّر لا يعيش وقته فحسب، ولكنّ الإنسان إذا ضاق فكره، وكان محدودًا عاش لحظته، وغاب عما سيكون، فالإنسان الذي يعيش لحظته، ولا يفكر في مستقبله إنسان محدود، سمكاتٌ ثلاث كانت في غدير، مرَّ صيَّادان، فتواعدا أن يرجعا ليصيدا ما فيه من السمك، فسمَعت السمكات قولهما، أمَّا أكيسُهنَّ، أيْ أعقلهَّن فإنها ارتابت وتخوَّفت، وقالت: العاقل يحتاط للأمور قبل وقوعها، ولم تُعَرَّجْ على شيءٍ حتى خرجت من الغدير، وأما الأقل كياسةً وعقلًا ذكاءً فبقيت في مكانها حتى عاد الصيادان، فذهبت لتخرج من حيث خرجت رفيقتها فإذا بالمكان قد أُغلق؛ فقالت: فرَّطتُ، وهذه عاقبة التفريط، غير أن العاقل لا يقنط من منافع الرأي، ثم إنها تماوتت فطفت على وجه الماء، فأخذها الصيادان ووضعاها على الأرض بين النهر والغدير، فوثبت في النهر فنجت، وأما العاجزة فلم تزل في إقبالٍ وإدبارٍ حتى صيدَتْ.

فالإنسان بين أن يكون كيّسًا، بمعنى أنه عاقل يحتاط للأمور قبل وقوعها، فلتذكرْ إذًا أنّ الموت حق، وما منا واحدٌ إلا وسيموت ..

الليل مهما طال فلا ... بدَّ من طلوع الفجر

والعمر مهما طال فلا ... بدَّ من نزول القبر

إذا أيقنا أنه لابدَّ من الموت فماذا أعددنا له؟ ماذا أعددت للقبر؟ ما العمل الصالح الذي أعددته للقبر؟ هل تصلي وأنت تودِّع العمر؟ هكذا قال النبي الكريم:

(( ... فَصَلِّ صَلاةَ مُوَدِّعٍ ) ).

(من سنن ابن ماجة عن أبي أيوب)

فالعاقل يحتاط للأمور قبل وقوعها، والأقل عقلًا يحتاط لها بعد وقوعها، والغبي لا قبل وقوعها، ولا بعد وقوعها، إذًا:

{الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ}

وعدُ الله ووعيدُه محقَّقان لا ريب فيهما:

خالق الكون وعدنا بالجنة، ألا نقبل هذا الوعد؟ ألا نصدقه، تصدق إنسانًا مثلك ضعيفًا لا يقوى على أن يحيا ساعةً باختياره، تصدقه، ولا تصدق خالق الكون!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت