يجب أن تضبط أفعال العباد بالشريعة، وسيدنا موسى نبيٌ عظيم، ورسول كريم من أولي العزم، وهو أعلم علماء الأرض في وقته في الشريعة، لكن الله سبحانه وتعالى يتصرف في الكون، ويتصرف مع عباده تصرفًا لا يعلم حكمته إلا الله، أي لا يعلم سر القضاء والقدر إلا الله، فسر التصرفات الإلهية، وحكمة الأفعال الإلهية علم مستقل قائم بذاته، فقد آتى الله سيدنا الخضر، وهو نبي في رأي معظم العلماء عليه السلام، من لدنه علمًا، فكأن هذه القصة لقاء عظيم رائع، بين قطب عظيم من أقطاب الشريعة، وقطب عظيم آخر من أقطاب الحقيقة، فنحن مع سيدنا موسى مع قطب من أقطاب الشريعة، ونحن مع سيدنا الخضر قطب من أقطاب الحقيقة.
والشريعة والحقيقة التقتا، ومن خلال هذا اللقاء العظيم تتضح بعض الحقائق المهمة التي نحن جميعًا في أمس الحاجة إليها، ومن لقاء قطبي الشريعة بالحقيقة تتضح بعض أسرار القضاء والقدر، ومنها نعرف معنى قوله تعالى:
{وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} .
(سورة البقرة: 216)
كأن ملخص هذه القصة تلك الآية:
{وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} .
يجب أن تضبط أفعال العباد بالشريعة، لكن أفعال الله عز وجل تفسر بالحقيقة.
ويجب أن تكون أفعال العباد وفق الحلال، والمباح، والمندوب، والأمر، ويجب أن تبتعد عن المكروه، والمحرم، هناك شريعة دقيقة جدًا، فيها حكم كل شيء، كل حركة، وكل سكنة، وكل تصرف، وأية علاقة تضبطها الشريعة، لكن أفعال الله عز وجل علم التصرفات الإلهية، وسر القضاء والقدر، فعلم الحقيقة يكشف لنا جانبًا منه.