عُمَرُ لِلْمُعَسْكِرِينَ عَلَى نَهْرِ الْأَرْبَدِ، سَأَلُوا أَنْ يُشْرِكُوهُمْ فِي تِلْكَ الْقَطَائِعِ، وَكَتَبُوا إلَى عُمَرَ فِيهِ، فَكَتَبَ أَنْ يُعَوَّضُوا مِثْلَهُ مِنْ الْمُرُوجِ الَّتِي كَانُوا عَسْكَرُوا فِيهَا عَلَى بَابِ الرَّسْتَنِ، فَلَمْ تَزُلْ تِلْكَ الْقَطَائِعُ عَلَى شَاطِئِ الْأَرْبَدِ، وَعَلَى بَابِ حِمْصَ، وَعَلَى بَابِ الرستن، مَاضِيَةً لِأَهْلِهَا، لَا خَرَاجَ عَلَيْهَا، تُؤَدِّي الْعُشْرَ.
(1866) فَصْلٌ: وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْأَرْضِ الْمُغِلَّةِ، أَمَّا الْمَسَاكِنُ فَلَا بَأْسَ بِحِيَازَتِهَا وَبَيْعِهَا وَشِرَائِهَا وَسُكْنَاهَا. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ مَا عَلِمْنَا أَحَدًا كَرِهَ ذَلِكَ، وَقَدْ اقْتَسَمَتْ الْكُوفَةُ خِطَطًا فِي زَمَنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِإِذْنِهِ، وَالْبَصْرَةُ، وَسَكَنِهِمَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذَلِكَ الشَّامُ وَمِصْرُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْبُلْدَانِ، فَمَا عَابَ ذَلِكَ أَحَدٌ وَلَا أَنْكَرَهُ.
(1867) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَمَا كَانَ مِنْ الصُّلْحِ، فَفِيهِ الصَّدَقَةُ)
يَعْنِي مَا صُولِحُوا عَلَيْهِ، عَلَى أَنَّ مِلْكَهُ لِأَهْلِهِ، وَلَنَا عَلَيْهِمْ خَرَاجٌ مَعْلُومٌ، فَهَذَا الْخَرَاجُ فِي حُكْمِ الْجِزْيَةِ، مَتَى أَسْلَمُوا سَقَطَ عَنْهُمْ، وَإِنْ انْتَقَلَتْ إلَى مُسْلِمٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ خَرَاجٌ، وَفِي مِثْلِهِ جَاءَ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ، قَالَ: {بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْبَحْرَيْنِ وَإِلَى هَجَرَ، فَكُنْت آتِي الْحَائِطَ تَكُونُ بَيْنَ الْإِخْوَةِ، يُسْلِمُ أَحَدُهُمْ، فَآخُذُ مِنْ الْمُسْلِمِ الْعُشْرَ، وَمِنْ الْمُشْرِكِ الْخَرَاجَ.} رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ
، فَهَذَا فِي أَحَدِ هَذَيْنِ الْبَلَدَيْنِ ; لِأَنَّهُمَا فُتِحَا صُلْحًا، وَكَذَلِكَ كُلُّ أَرْضٍ أَسْلَمَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا، كَأَرْضِ الْمَدِينَةِ، فَهِيَ مِلْكٌ لَهُمْ، لَيْسَ عَلَيْهَا خَرَاجٌ وَلَا شَيْءٌ. أَمَّا الزَّكَاةُ فَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الْعُشْرِ فِي الْخَارِجِ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ كُلَّ أَرْضٍ أَسْلَمَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا قَبْلَ قَهْرِهِمْ عَلَيْهَا، أَنَّهَا لَهُمْ، وَأَنَّ أَحْكَامَهُمْ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّ عَلَيْهِمْ فِيمَا زَرَعُوا فِيهَا الزَّكَاةَ.
(1868) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَا كَانَ عَنْوَةً أُدِّيَ عَنْهَا الْخَرَاجُ، وَزُكِّيَ مَا بَقِيَ إذَا كَانَ خَمْسَةَ أَوَسْقً، وَكَانَ لِمُسْلِمٍ)
.يَعْنِي مَا فُتِحَ عَنْوَةً وَوُقِفَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَضُرِبَ عَلَيْهِمْ خَرَاجٌ مَعْلُومٌ، فَإِنَّهُ يُؤَدِّي الْخَرَاجُ مِنْ غَلَّتِهِ، وَيُنْظَرُ فِي بَاقِيهَا، فَإِنْ كَانَ نِصَابًا فَفِيهِ الزَّكَاةُ إذَا كَانَ لِمُسْلِمِ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ نِصَابًا، أَوْ بَلَغَ نِصَابًا وَلَمْ يَكُنْ لِمُسْلِمِ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبُ عَلَى غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ أَرْضٍ خَرَاجِيَّةٍ.
وَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ، وَرَبِيعَةَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَمُغِيرَةَ، وَاللَّيْثِ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَابْنِ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي عُبَيْدٍ. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا عُشْرَ فِي الْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {لَا يَجْتَمِعُ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ فِي أَرْضِ مُسْلِمٍ} . وَلِأَنَّهُمَا حَقَّانِ سَبَبَاهُمَا مُتَنَافِيَانِ، فَلَا يَجْتَمِعَانِ، كَزَكَاةِ السَّوْمِ وَالتِّجَارَةِ، وَالْعُشْرِ، وَزَكَاةِ الْقِيمَةِ. وَبَيَانُ تَنَافِيهِمَا أَنَّ الْخَرَاجَ وَجَبَ عُقُوبَةً ; لِأَنَّهُ جِزْيَةُ الْأَرْضِ، وَالزَّكَاةُ وَجَبَتْ طُهْرَةً وَشُكْرًا، وَلَنَا: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ} وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ.}