فهرس الكتاب

الصفحة 2834 من 3896

الرَّأْيِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَهُمْ

وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، {أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً، وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً، وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً، وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي، وَأَرَادَ أَنْ يَنْزِعَهُ مِنِّي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَيَرْوِي أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، حَكَمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِعَاصِمٍ لِأُمِّهِ أُمِّ عَاصِمٍ، وَقَالَ: رِيحُهَا وَشْمُهَا وَلُطْفُهَا، خَيْرٌ لَهُ مِنْك رَوَاهُ سَعِيدٌ، فِي"سُنَنِهِ"وَلِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَيْهِ، وَأَشْفَقُ عَلَيْهِ، وَلَا يُشَارِكُهَا فِي الْقُرْبِ إلَّا أَبُوهُ، وَلَيْسَ لَهُ مِثْلُ شَفَقَتِهَا، وَلَا يَتَوَلَّى الْحَضَانَةَ بِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يَدْفَعُهُ إلَى امْرَأَتِهِ، وَأُمُّهُ أَوْلَى بِهِ مِنْ امْرَأَةِ أَبِيهِ.

(6536) فَصْلٌ: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْأُمُّ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، لِفِقْدَانِ الشُّرُوطِ الَّتِي ذَكَرْنَا فِيهَا، أَوْ بَعْضِهَا، فَهِيَ كَالْمَعْدُومَةِ، وَتَنْتَقِلُ إلَى مَنْ يَلِيهَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَلَوْ كَانَ الْأَبَوَانِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، انْتَقَلَتْ إلَى مِنْ يَلِيهِمَا ; لِأَنَّهُمَا كَالْمَعْدُومَيْنِ.

(6537) فَصْلٌ: وَلَا تَثْبُتُ الْحَضَانَةُ إلَّا عَلَى الطِّفْلِ أَوْ الْمَعْتُوهِ، فَأَمَّا الْبَالِغُ الرَّشِيدُ، فَلَا حَضَانَةَ عَلَيْهِ، وَإِلَيْهِ الْخِيرَةُ فِي الْإِقَامَةِ عِنْدَ مَنْ شَاءَ مِنْ أَبَوَيْهِ، فَإِنْ كَانَ رَجُلًا، فَلَهُ الِانْفِرَادُ بِنَفْسِهِ، لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُمَا، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَنْفَرِدَ عَنْهُمَا، وَلَا يَقْطَعَ بِرَّهُ عَنْهُمَا وَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً لَمْ يَكُنْ لَهَا الِانْفِرَادُ وَلِأَبِيهَا مَنْعُهَا مِنْهُ ; لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا مَنْ يُفْسِدُهَا، وَيُلْحِقُ الْعَارَ بِهَا وَبِأَهْلِهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَبٌ، فَلِوَلِيِّهَا وَأَهْلِهَا مَنْعُهَا مِنْ ذَلِكَ.

(6538) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا بَلَغَ الْغُلَامُ سَبْعَ سِنِينَ، خُيِّرَ بَيْنَ أَبَوَيْهِ، فَكَانَ مَعَ مَنْ اخْتَارَ مِنْهُمَا)

وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْغُلَامَ إذَا بَلَغَ سَبْعًا، وَلَيْسَ بِمَعْتُوهٍ، خُيِّرَ بَيْنَ أَبَوَيْهِ، إذَا تَنَازَعَا فِيهِ، فَمَنْ اخْتَارَهُ مِنْهُمَا، فَهُوَ أَوْلَى بِهِ قَضَى بِذَلِكَ عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَشُرَيْحٌ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُخَيَّرُ لَكِنْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا اسْتَقَلَّ بِنَفْسِهِ، فَأَكَلَ بِنَفْسِهِ، وَلَبِسَ بِنَفْسِهِ، وَاسْتَنْجَى بِنَفْسِهِ، فَالْأَبُ أَحَقُّ بِهِ وَمَالِكٌ يَقُولُ: الْأُمُّ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُثْغِرَ، وَأَمَّا التَّخْيِيرُ، فَلَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ الْغُلَامَ لَا قَوْلَ لَهُ، وَلَا يَعْرِفُ حَظَّهُ، وَرُبَّمَا اخْتَارَ مَنْ يَلْعَبُ عِنْدَهُ وَيَتْرُكُ تَأْدِيبَهُ، وَيُمَكِّنُهُ مِنْ شَهَوَاتِهِ، فَيُؤَدِّي إلَى فَسَادِهِ، وَلِأَنَّهُ دُونَ الْبُلُوغِ، فَلَمْ يُخَيَّرْ، كَمَنْ دُونَ السَّبْعِ

وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {خَيَّرَ غُلَامًا بَيْنَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ} رَوَاهُ سَعِيدٌ، بِإِسْنَادِهِ وَالشَّافِعِيُّ وَفِي لَفْظٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ {: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي، وَقَدْ سَقَانِي مِنْ بِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ، وَقَدْ نَفَعَنِي فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:} هَذَا أَبُوك، وَهَذِهِ أُمُّك فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شِئْت {فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَلِأَنَّهُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ خَيَّرَ غُلَامًا بَيْنَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَارَةَ الْجَرْمِيُّ، أَنَّهُ قَالَ: خَيَّرَنِي عَلِيٌّ بَيْنَ عَمِّي وَأُمِّيِّ، وَكُنْت ابْنَ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ

وَهَذِهِ قِصَصٌ فِي مَظِنَّةِ الشُّهْرَةِ، وَلَمْ تُنْكَرْ، فَكَانَتْ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّ التَّقْدِيمَ فِي الْحَضَانَةِ لِحَقِّ الْوَلَدِ، فَيُقَدَّمُ مَنْ هُوَ أَشْفَقُ ; لِأَنَّ حَظَّ الْوَلَدِ عِنْدَهُ أَكْثَرُ، وَاعْتَبَرْنَا الشَّفَقَةَ بِمَظِنَّتِهَا إذَا لَمْ يُمْكِنْ اعْتِبَارُهَا بِنَفْسِهَا، فَإِذَا بَلَغَ الْغُلَامُ حَدًّا يُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهِ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت