فهرس الكتاب

الصفحة 1779 من 3896

فَقَالَ: الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الضَّمَانِ بِشَرْطِهِ، وَوُجُوبِهِ بِشَرْطِهِ ; {لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ} . فَأَمَّا إنْ أَكْرَاهُ عَيْنًا، وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَسِيرَ بِهَا فِي اللَّيْلِ، أَوْ وَقْتَ الْقَائِلَةِ، أَوْ لَا يَتَأَخَّرَ بِهَا عَنْ الْقَافِلَةِ. أَوْ لَا يَجْعَلَ سَيْرَهُ فِي آخِرِهَا، أَوْ لَا يَسْلُكَ بِهَا الطَّرِيقَ الْفُلَانِيَّةَ، وَأَشْبَاهَ هَذَا مِمَّا لَهُ فِيهِ غَرَضٌ مُخَالِفٌ، ضَمِنَ ; لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ لِشَرْطِ كَرْيِهِ، فَضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهِ، كَمَا لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَحْمِلَ عَلَيْهَا إلَّا قَفِيزًا، فَحَمَلَ اثْنَيْنِ.

(4291) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةِ فَاسِدَةً، لَمْ يَضْمَنْ الْعَيْنَ أَيْضًا إذَا تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ وَلَا تَعَدٍّ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَقْتَضِي الضَّمَانَ صَحِيحُهُ، فَلَا يَقْتَضِيه فَاسِدُهُ، كَالْوَكَالَةِ وَالْمُضَارَبَةِ. وَحُكْمُ كُلِّ عَقْدٍ فَاسِدٍ فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ، حُكْمُ صَحِيحِهِ، فَمَا وَجَبَ الضَّمَانُ فِي صَحِيحِهِ وَجَبَ فِي فَاسِدِهِ، وَمَا لَمْ يَجِبْ فِي صَحِيحِهِ لَمْ يَجِبْ فِي فَاسِدِهِ.

(4292) فَصْلٌ: وَلِلْمُسْتَأْجِرِ ضَرْبُ الدَّابَّةِ بِقَدْرِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، وَيَكْبَحُهَا بِاللِّجَامِ لِلِاسْتِصْلَاحِ، وَيَحُثُّهَا عَلَى السَّيْرِ لِيَلْحَقَ الْقَافِلَةَ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَخَسَ بَعِيرَ جَابِرٍ، وَضَرَبَهُ. وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَخْرِشُ بَعِيرَهُ بِمِحْجَنِهِ. وَلِلرَّائِضِ ضَرْبُ الدَّابَّةِ لِلتَّأْدِيبِ، وَتَرْتِيبِ الْمَشْيِ، وَالْعَدْوِ، وَالسَّيْرِ. وَلِلْمُعَلِّمِ ضَرْبُ الصِّبْيَانِ لِلتَّأْدِيبِ. قَالَ الْأَثْرَمُ: سُئِلَ أَحْمَدُ، عَنْ ضَرْبِ الْمُعَلِّمِ الصِّبْيَانَ

قَالَ: عَلَى قَدْرِ ذُنُوبِهِمْ، وَيَتَوَقَّى بِجُهْدِهِ الضَّرْبَ، وَإِذَا كَانَ صَغِيرًا لَا يَعْقِلُ فَلَا يَضْرِبْهُ. وَمَنْ ضَرَبَ مِنْ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ الضَّرْبَ الْمَأْذُونَ فِيهِ، لَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ. وَبِهَذَا فِي الدَّابَّةِ، قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَضْمَنُ ; لِأَنَّهُ تَلِفَ بِجِنَايَتِهِ، فَضَمِنَهُ، كَغَيْرِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُعَلِّمِ يَضْرِبُ الصَّبِيَّ ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ تَأَدَّبِيهِ بِغَيْرِ الضَّرْبِ

وَلَنَا أَنَّهُ تَلِفَ مِنْ فِعْلٍ مُسْتَحَقٍّ، فَلَمْ يَضْمَنْ، كَمَا لَوْ تَلِفَ تَحْتَ الْحِمْلِ، وَلِأَنَّ الضَّرْبَ مَعْنًى تَضَمَّنَهُ عَقْدُ الْإِجَارَةِ، فَإِذَا تَلِفَ مِنْهُ لَمْ يَضْمَنْ، كَالرُّكُوبِ. وَفَارَقَ غَيْرَ الْمُسْتَأْجِرِ ; لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ. وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ: يُمْكِنُ التَّأْدِيبُ بِغَيْرِ الضَّرْبِ. لَا يَصِحُّ ; فَإِنَّ الْعَادَةَ خِلَافُهُ، وَلَوْ أَمْكَنَ التَّأْدِيبُ بِدُونِ الضَّرْبِ، لَمَا جَازَ الضَّرْبُ، إذْ فِيهِ ضَرَرٌ وَإِيلَامٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ. وَإِنْ أَسْرَفَ فِي هَذَا كُلِّهِ، أَوْ زَادَ عَلَى مَا يَحْصُلُ الْغِنَى بِهِ، أَوْ ضَرَبَ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ مِنْ الصِّبْيَانِ، فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ ; لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ حَصَلَ التَّلَفُ بِعُدْوَانِهِ.

(4293) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَلَا ضَمَانَ عَلَى حَجَّامٍ، وَلَا خَتَّانٍ، وَلَا مُتَطَبِّبٍ، إذَا عُرِفَ مِنْهُمْ حِذْقُ الصَّنْعَةِ، وَلَمْ تَجْنِ أَيْدِيهمْ)

وَجُمْلَتُهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ إذَا فَعَلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ، لَمْ يَضْمَنُوا بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونُوا ذَوِي حِذْقٍ فِي صِنَاعَتِهِمْ، وَلَهُمْ بِهَا بِصَارَةٌ وَمَعْرِفَةٌ ; لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَحِلَّ لَهُ مُبَاشَرَةُ الْقَطْعِ، وَإِذَا قَطَعَ مَعَ هَذَا كَانَ فِعْلًا مُحَرَّمًا، فَيَضْمَنُ سِرَايَتَهُ، كَالْقَطْعِ ابْتِدَاءً. الثَّانِي أَنْ لَا تَجْنِيَ أَيْدِيهِمْ، فَيَتَجَاوَزُوا مَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْطَعَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت