ذَلِكَ أَجْرَ الرَّضَاعِ وَلَا غَيْرَهُ، وَقَوْلُنَا، فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: إنَّهُ يُخِلُّ بِاسْتِمْتَاعِهِ
قُلْنَا: وَلَكِنْ لِإِيفَاءِ حَقٍّ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا، كَمَا أَنَّ قَضَاءَ دَيْنِهِ بِدَفْعِ مَالِهِ فِيهِ وَاجِبٌ، لَا سِيَّمَا إذَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْوَلَدِ، فِي كَوْنِهِ مَعَ أُمِّهِ، وَحَقُّ الْأُمِّ فِي الْجَمْعِ بَيْنهَا وَبَيْنَ وَلَدِهَا وَهَذَا الْوَجْهُ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ أَبِي مُوسَى، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى.
(6559) فَصْلٌ: وَإِنْ أَجَّرَتْ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا لِلرَّضَاعِ، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ، صَحَّ النِّكَاحُ، وَلَمْ يَمْلِكْ الزَّوْجُ فَسْخَ الْإِجَارَةِ، وَلَا مَنْعَهَا مِنْ الرَّضَاعِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ ; لِأَنَّ مَنَافِعَهَا مُلِكَتْ بِعَقْدٍ سَابِقٍ عَلَى نِكَاحِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى أَمَةً مُسْتَأْجَرَةً، أَوْ دَارًا مَشْغُولَةً فَإِنْ نَامَ الصَّبِيُّ، أَوْ اشْتَغَلَ بِغَيْرِهَا، فَلِلزَّوْجِ الِاسْتِمْتَاعُ، وَلَيْسَ لِوَلِيِّ الصَّبِيِّ مَنْعُهُ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لَهُ وَطْؤُهَا إلَّا بِرِضَاءِ الْوَلِيِّ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يُنْقِصُ اللَّبَنَ وَلَنَا، أَنَّ وَطْءَ الزَّوْجِ مُسْتَحَقٌّ بِالْعَقْدِ، فَلَا يَسْقُطُ بِأَمْرٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ، كَمَا لَوْ أَذِنَ الْوَلِيُّ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْوَطْءُ مَعَ إذْنِ الْوَلِيِّ، فَجَازَ مَعَ عَدَمِهِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَلِيِّ الْإِذْنُ فِيمَا يَضُرُّ الصَّبِيَّ، وَيُسْقِطُ حُقُوقَهُ.
(6560) فَصْلٌ: وَإِنْ أَجَّرَتْ الْمَرْأَةُ الْمُزَوَّجَةُ نَفْسَهَا لِلرَّضَاعِ، بِإِذْنِ زَوْجِهَا، جَازَ، وَلَزِمَ الْعَقْدُ ; لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، وَلَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا وَإِنْ أَجَرَتْهَا بِغَيْرِ إذْنِ الزَّوْجِ، لَمْ يَصِحَّ ; لِمَا يَتَضَمَّنُ مِنْ تَفْوِيتِ حَقِّ زَوْجِهَا، وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَالْآخَرُ، يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ تَنَاوَلَ مَحِلًّا غَيْرَ مَحَلِّ النِّكَاحِ، لَكِنْ لِلزَّوْجِ فَسْخُهُ ; لِأَنَّهُ يَفُوتُ بِهِ الِاسْتِمْتَاعُ وَيَخْتَلُّ وَلَنَا، أَنَّهُ عَقْدٌ يَفُوتُ بِهِ حَقُّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ الْحَقُّ بِعَقْدٍ سَابِقٍ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَإِجَارَةِ الْمُسْتَأْجَرِ.
(6561) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَعَلَى الْأَبِ أَنْ يَسْتَرْضِعَ لِوَلَدِهِ، إلَّا أَنْ تَشَاءَ الْأُمُّ أَنْ تُرْضِعَهُ بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا، فَتَكُونَ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي حِبَالِ الزَّوْجِ، أَوْ مُطَلَّقَةً)
الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصْلَيْنِ:
(6562) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ، وَلَيْسَ لَهُ إجْبَارُ أُمِّهِ عَلَى رَضَاعِهِ، دَنِيئَةً كَانَتْ أَوْ شَرِيفَةً، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي حِبَالِ الزَّوْجِ أَوْ مُطَلَّقَةً
وَلَا نَعْلَمُ فِي عَدَمِ إجْبَارِهَا عَلَى ذَلِكَ إذَا كَانَتْ مُفَارَقَةً خِلَافًا، فَأَمَّا إنْ كَانَتْ مَعَ الزَّوْجِ، فَكَذَلِكَ عِنْدَنَا، وَبِهِ يَقُولُ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ: لَهُ إجْبَارُهَا عَلَى رَضَاعِهَا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ، وَرِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} وَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهَا إنْ كَانَتْ شَرِيفَةً لَمْ تَجْرِ عَادَةُ مِثْلِهَا بِالرَّضَاعِ لِوَلَدِهَا، لَمْ تُجْبَرْ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ تُرْضِعُ فِي الْعَادَةِ، أُجْبِرَتْ عَلَيْهِ
وَلَنَا، قَوْله تَعَالَى: {وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} وَإِذَا اخْتَلَفَا فَقَدْ تَعَاسَرَا، وَلِأَنَّ الْإِجْبَارَ عَلَى