فهرس الكتاب

الصفحة 3040 من 3896

مُسْلِمًا، فَارْتَدَّ وَارِثُهُ قَبْلَ الْقَسَامَةِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُقْسِمَ، وَإِنْ أَقْسَمَ لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّ مِلْكَهُ يَزُولُ عَنْ مَالِهِ وَحُقُوقِهِ، فَلَا يَبْقَى مُسْتَحِقًّا لِلْقَسَامَةِ. وَهَذَا قَوْلُ الْمُزَنِيّ.

وَلِأَنَّ الْمُرْتَدَّ قَدْ أَقْدَمَ عَلَى الشِّرْكِ الَّذِي لَا ذَنْبَ أَعْظَمُ مِنْهُ، فَلَا يَسْتَحِقُّ بِيَمِينِهِ دَمَ مُسْلِمٍ، وَلَا يَثْبُتُ بِهَا قَتْلٌ. وَقَالَ الْقَاضِي: الْأَوْلَى أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ الْقَسَامَةُ، فَإِنْ أَقْسَمَ، وَجَبَتْ الدِّيَةُ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْمَالِ بِالْقَسَامَةِ حَقٌّ عَلَيْهِ فَلَا يَبْطُلُ بِرِدَّتِهِ، كَاكْتِسَابِ الْمَالِ بِوُجُوهِ الِاكْتِسَابِ، وَكُفْرُهُ لَا يَمْنَعُ يَمِينَهُ، فَإِنَّ الْكَافِرَ تَصِحُّ يَمِينُهُ، وَتُعْرَضُ عَلَيْهِ فِي الدَّعَاوَى فَإِنْ حَلَفَ، ثَبَتَ الْقِصَاصُ أَوْ الدِّيَةُ، فَإِنْ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ، كَانَ لَهُ، وَإِنْ مَاتَ كَانَ فَيْئًا. وَالصَّحِيحُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ، مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ ; لِأَنَّ مَالَ الْمُرْتَدِّ إمَّا أَنْ يَكُونَ مِلْكُهُ قَدْ زَالَ عَنْهُ، وَإِمَّا مَوْقُوفٌ، وَحُقُوقُ الْمَالِ حُكْمُهَا حُكْمُهُ ; فَإِنْ قُلْنَا بِزَوَالِ مِلْكِهِ، فَلَا حَقَّ لَهُ، وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ مَوْقُوفٌ. فَهُوَ قَبْلَ انْكِشَافِ حَالِهِ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِشَيْءٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ، فَكَيْفَ وَقَتْلُ الْمُسْلِمِ أَمْرٌ كَبِيرٌ لَا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ، وَلَا يُسْتَوْفَى مَعَ الشَّكِّ.

فَأَمَّا إنْ ارْتَدَّ قَبْلَ مَوْتِ مَوْرُوثِهِ، لَمْ يَكُنْ وَارِثًا، وَلَا حَقَّ لَهُ، وَتَكُونُ الْقَسَامَةُ لِغَيْرِهِ مِنْ الْوُرَّاثِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ وَارِثٌ سِوَاهُ، فَلَا قَسَامَةَ فِيهِ ; لِمَا ذَكَرْنَا. وَإِنْ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ قَسَامَةِ غَيْرِهِ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْقَسَامَةِ ; لِأَنَّهُ مَتَى رَجَعَ قَبْلَ قَسْمِ الْمِيرَاثِ، قُسِمَ لَهُ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَا تَعُودُ الْقَسَامَةُ إلَيْهِ ; لِأَنَّهَا اُسْتُحِقَّتْ عَلَى غَيْرِهِ. وَإِنْ ارْتَدَّ رَجُلٌ فَقُتِلَ عَبْدُهُ، أَوْ قُتِلَ ثُمَّ ارْتَدَّ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يُقْسِمَ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ; بِنَاءً عَلَى الِاخْتِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ. فَإِنْ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ، عَادَتْ الْقَسَامَةُ ; لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ بَدَلَ الْعَبْدِ.

(7039) فَصْلٌ: وَلَا قَسَامَةَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ مِنْ الْأَطْرَافِ وَالْجَوَارِحِ. وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا خِلَافًا، وَمِمَّنْ قَالَ: لَا قَسَامَةَ فِي ذَلِكَ. مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَسَامَةَ تَثْبُتُ فِي النَّفْسِ لِحُرْمَتِهَا، فَاخْتَصَّتْ بِهَا دُونَ الْأَطْرَافِ، كَالْكَفَّارَةِ ; وَلِأَنَّهَا تَثْبُتُ حَيْثُ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ لَا يُمْكِنُهُ التَّعْبِيرُ عَنْ نَفْسِهِ، وَتَعْيِينُ قَاتِلِهِ، وَمَنْ قُطِعَ طَرَفُهُ، يُمْكِنُهُ ذَلِكَ، وَحُكْمُ الدَّعْوَى فِيهِ حُكْمُ الدَّعْوَى فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ، وَالْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ يَمِينًا وَاحِدَةً ; وَلِأَنَّهَا دَعْوَى لَا قَسَامَةَ فِيهَا، فَلَا تُغَلَّظُ بِالْعَدَدِ، كَالدَّعْوَى فِي الْمَالِ.

(7040) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَيْسَ لِلْأَوْلِيَاءِ أَنْ يُقْسِمُوا عَلَى أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ)

لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَقُّ بِالْقَسَامَةِ أَكْثَرُ مِنْ قَتْلِ وَاحِدٍ. وَبِهَذَا قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُسْتَحَقُّ بِهَا قَتْلُ الْجَمَاعَةِ ; لِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ مُوجِبَةٌ لِلْقَوَدِ، فَاسْتَوَى فِيهَا الْوَاحِدُ وَالْجَمَاعَةُ، كَالْبَيِّنَةِ. وَهَذَا نَحْوُ قَوْلِ أَبِي ثَوْرٍ. وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَيُدْفَعُ إلَيْكُمْ بِرُمَّتِهِ} . فَخَصَّ بِهَا الْوَاحِدَ ; وَلِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ ضَعِيفَةٌ، خُولِفَ بِهَا الْأَصْلُ فِي قَتْلِ الْوَاحِدِ، فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهِ، وَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ فِيمَا عَدَاهُ.

وَبَيَانُ مُخَالَفَةِ الْأَصْلِ بِهَا، أَنَّهَا تَثْبُتُ بِاللَّوْثِ، وَاللَّوْثُ شُبْهَةٌ مُغَلِّبَةٌ عَلَى الظَّنِّ صِدْقَ الْمُدَّعِي، وَالْقَوَدُ يَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ، فَكَيْفَ يَثْبُتُ بِهَا، وَلِأَنَّ الْأَيْمَانَ فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى تَثْبُتُ ابْتِدَاءً فِي جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ. وَبَيَانُ ضَعْفِهَا، أَنَّهَا تَثْبُتُ بِقَوْلِ الْمُدَّعِي وَيَمِينِهِ، مَعَ التُّهْمَةِ فِي حَقِّهِ، وَالشَّكِّ فِي صِدْقِهِ، وَقِيَامِ الْعَدَاوَةِ الْمَانِعَةِ مِنْ صِحَّةِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ فِي إثْبَاتِ حَقٍّ لِغَيْرِهِ، فَلَأَنْ يُمْنَعَ مِنْ قَبُولِ قَوْلِهِ وَحْدَهُ فِي إثْبَاتِ حَقِّهِ لِنَفْسِهِ أَوْلَى وَأَحْرَى. وَفَارَقَ الْبَيِّنَةَ، فَإِنَّهَا قَوِيَتْ بِالْعَدَدِ، وَعَدَالَةِ الشُّهُودِ، وَانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت