شَرِبَ شَرَابَ التُّفَّاحِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْهُ، كَرَائِحَةِ الْخَمْرِ، وَإِذَا اُحْتُمِلَ ذَلِكَ، لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ الَّذِي يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ. وَحَدِيثُ عُمَرَ حُجَّةٌ لَنَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَحُدَّهُ بِوُجُودِ الرَّائِحَةِ، وَلَوْ وَجَبَ ذَلِكَ، لَبَادَرَ إلَيْهِ عُمَرُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -.
(7346) فَصْلٌ: وَإِنْ وُجِدَ سَكْرَانَ، أَوْ تَقَيَّأَ الْخَمْرَ. فَعَنْ أَحْمَدَ، لَا حَدَّ عَلَيْهِ ; لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مُكْرَهًا، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا تُسْكِرُ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَرِوَايَةُ أَبِي طَالِبٍ عَنْهُ فِي الْحَدِّ بِالرَّائِحَةِ، يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْحَدِّ هَاهُنَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ شُرْبِهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ بِشُرْبِهَا.
وَقَدْ رَوَى سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: لَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ قُدَامَةَ مَا كَانَ، جَاءَ عَلْقَمَةُ الْخَصِيُّ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنِّي رَأَيْتُهُ يَتَقَيَّؤُهَا. فَقَالَ عُمَرُ: مَنْ قَاءَهَا فَقَدْ شَرِبَهَا. فَضَرَبَهُ الْحَدَّ وَرَوَى حُصَيْنُ بْنُ الْمُنْذِرِ الرَّقَاشِيُّ، قَالَ: شَهِدْت عُثْمَانَ، وَأُتِيَ بِالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، فَشَهِدَ عَلَيْهِ حُمْرَانُ وَرَجُلٌ آخَرُ، فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ رَآهُ شَرِبَهَا، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ رَآهُ يَتَقَيَّؤُهَا. فَقَالَ عُثْمَانُ: إنَّهُ لَمْ يَتَقَيَّأْهَا حَتَّى شَرِبَهَا، فَقَالَ لِعَلِيٍّ: أَقِمْ عَلَيْهِ الْحَدَّ. فَأَمَرَ عَلِيٌّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ، فَضَرَبَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: لَقَدْ تَنَطَّعْت فِي الشَّهَادَةِ. وَهَذَا بِمَحْضَرٍ مِنْ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ وَسَادَتِهِمْ، وَلَمْ يُنْكَرْ، فَكَانَ إجْمَاعًا. وَلِأَنَّهُ يَكْفِي فِي الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ أَنَّهُ شَرِبَهَا، وَلَا يَتَقَيَّؤُهَا أَوْ لَا يَسْكَرُ مِنْهَا حَتَّى يَشْرَبَهَا.
(7347) فَصْلٌ: وَأَمَّا الْبَيِّنَةُ: فَلَا تَكُونُ إلَّا رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ مُسْلِمَيْنِ، يَشْهَدَانِ أَنَّهُ مُسْكِرٌ، وَلَا يَحْتَاجَانِ إلَى بَيَانِ نَوْعِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَنْقَسِمُ إلَى مَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَإِلَى مَا لَا يُوجِبُهُ، بِخِلَافِ الزِّنَا، فَإِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الصَّرِيحِ وَعَلَى دَوَاعِيهِ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ، وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ} فَلِهَذَا احْتَاجَ الشَّاهِدَانِ إلَى تَفْسِيرِهِ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا لَا يُسَمَّى غَيْرُ الْمُسْكِرِ مُسْكِرًا، فَلَمْ يُفْتَقَرْ إلَى ذِكْرِ نَوْعِهِ. وَلَا يُفْتَقَرُ فِي الشَّهَادَةِ إلَى ذِكْرِ عَدَمِ الْإِكْرَاهِ، وَلَا ذِكْرِ عِلْمِهِ أَنَّهُ مُسْكِرٌ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ الِاخْتِيَارُ وَالْعِلْمُ، وَمَا عَدَاهُمَا نَادِرٌ بَعِيدٌ، فَلَمْ يُحْتَجْ إلَى بَيَانِهِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ الشَّهَادَاتِ، وَلَمْ يَعْتَبِرْهُ عُثْمَانُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، وَلَا اعْتَبَرَهُ عُمَرُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ، وَلَا فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَلَوْ شَهِدَا بِعِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ، لَمْ يُفْتَقَرْ إلَى ذِكْرِ الِاخْتِيَارِ، كَذَا هَاهُنَا.
(7348) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنْ مَاتَ فِي جَلْدِهِ، فَالْحَقُّ قَتَلَهُ. يَعْنِي: لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ ضَمَانُهُ)
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ إنْ لَمْ يَزِدْ عَلَى الْأَرْبَعِينَ، وَإِنْ زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ فَمَاتَ، فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ تَعْزِيرٌ، إنَّمَا يَفْعَلُهُ الْإِمَامُ بِرَأْيِهِ، وَفِي قَدْرِ الضَّمَانِ قَوْلَانِ ; أَحَدُهُمَا: نِصْفُ الدِّيَةِ ; لِأَنَّهُ تَلِفَ مِنْ فِعْلَيْنِ ; مَضْمُونٍ، وَغَيْرِ مَضْمُونٍ، فَكَانَ عَلَيْهِ نِصْفُ الضَّمَانِ. وَالثَّانِي: تُقَسَّطُ الدِّيَةُ عَلَى عَدَدِ الضَّرَبَاتِ كُلِّهَا، فَيَجِبُ مِنْ الدِّيَةِ بِقَدْرِ زِيَادَتِهِ عَلَى الْأَرْبَعِينَ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: مَا كُنْت لِأُقِيمَ حَدًّا عَلَى أَحَدٍ فَيَمُوتَ، فَأَجِدَ فِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْئًا، إلَّا صَاحِبَ الْخَمْرِ، وَلَوْ مَاتَ وَدَيْتُهُ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسُنَّهُ لَنَا.
وَلَنَا أَنَّهُ حَدٌّ وَجَبَ لِلَّهِ، فَلَمْ يَجِبْ ضَمَانُ مَنْ مَاتَ بِهِ، كَسَائِرِ الْحُدُودِ، وَمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ مِنْ الْحَدِّ، وَإِنْ كَانَ تَعْزِيرًا، فَالتَّعْزِيرُ يَجِبُ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْحَدِّ. وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ، فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: جَلَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ