فهرس الكتاب

الصفحة 986 من 3896

وَعَلَيْهِمْ الْفِدْيَةُ ; لِأَنَّ لُبْسَهُمْ لِأَجْلِ أَنْفُسِهِمْ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَبِسُوا لِلِاسْتِدْفَاءِ مِنْ دَفْعِ بَرْدٍ.

(2438) فَصْلٌ: فَإِنْ أَذِنَ لَهُمْ الْعَدُوُّ فِي الْعُبُورِ، فَلَمْ يَثِقُوا بِهِمْ، فَلَهُمْ الِانْصِرَافُ ; لِأَنَّهُمْ خَائِفُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَأْمَنُوهُمْ، وَإِنْ وَثِقُوا بِأَمَانِهِمْ، وَكَانُوا مَعْرُوفِينَ بِالْوَفَاءِ، لَزِمَهُمْ الْمُضِيُّ عَلَى إحْرَامِهِمْ ; لِأَنَّهُ قَدْ زَالَ حَصْرُهُمْ، وَإِنْ طَلَبَ الْعَدُوُّ خَفَارَةً عَلَى تَخْلِيَةِ الطَّرِيقِ، وَكَانَ مِمَّنْ لَا يُوثَقُ بِأَمَانِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُمْ بَذْلُهُ ; لِأَنَّ الْخَوْفَ بَاقٍ مَعَ الْبَذْلِ، وَإِنْ كَانَ مَوْثُوقًا بِأَمَانِهِ وَالْخَفَارَةُ كَثِيرَةٌ، لَمْ يَجِبْ بَذْلُهُ، بَلْ يُكْرَهُ إنْ كَانَ الْعَدُوُّ كَافِرًا ; لِأَنَّ فِيهِ صَغَارًا وَتَقْوِيَةً لِلْكُفَّارِ، وَإِنْ كَانَتْ يَسِيرَةً، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ وُجُوبُ بَذْلِهِ، كَالزِّيَادَةِ فِي ثَمَنِ الْمَاءِ لِلْوُضُوءِ.

وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا يَجِبُ بَذْلُ خَفَارَةٍ بِحَالٍ، وَلَهُ التَّحَلُّلُ، كَمَا أَنَّهُ فِي ابْتِدَاءِ الْحَجِّ لَا يَلْزَمُهُ إذَا لَمْ يَجِدْ طَرِيقًا آمِنًا مِنْ غَيْرِ خَفَارَةٍ.

(2439) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ مُنِعَ مِنْ الْوُصُولِ إلَى الْبَيْتِ بِمَرَضٍ، أَوْ ذَهَابِ نَفَقَةٍ، بَعَثَ بِهَدْيٍ، إنْ كَانَ مَعَهُ، لِيَذْبَحَهُ بِمَكَّةَ، وَكَانَ عَلَى إحْرَامِهِ حَتَّى يَقْدِرَ عَلَى الْبَيْتِ)

الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ مَنْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الْوُصُولُ إلَى الْبَيْتِ بِغَيْرِ حَصْرِ الْعَدُوِّ، مِنْ مَرَضٍ، أَوْ عَرَجٍ، أَوْ ذَهَابِ نَفَقَةٍ، وَنَحْوِهِ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّحَلُّلُ بِذَلِكَ.

رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَمَرْوَانَ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ. وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى: لَهُ التَّحَلُّلُ بِذَلِكَ. رُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَأَبِي ثَوْرٍ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {مَنْ كُسِرَ، أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ، وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى} . رَوَاهُ النَّسَائِيّ.

وَلِأَنَّهُ مُحْصَرٌ يَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ} . يُحَقِّقُهُ أَنَّ لَفْظَ الْإِحْصَارِ إنَّمَا هُوَ لِلْمَرَضِ وَنَحْوِهِ، يُقَال: أَحْصَرَهُ الْمَرَضُ إحْصَارًا، فَهُوَ مُحْصَرٌ، وَحَصَرَهُ الْعَدُوُّ، حَصْرًا، فَهُوَ مَحْصُورٌ. فَيَكُونُ اللَّفْظُ صَرِيحًا فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَحَصْرُ الْعَدُوِّ مَقِيسٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّهُ مَصْدُودٌ عَنْ الْبَيْتِ، أَشْبَهَ مَنْ صَدَّهُ عَدُوٌّ.

وَوَجْهُ الْأُولَى أَنَّهُ لَا يَسْتَفِيدُ بِالْإِحْلَالِ الِانْتِقَالَ مِنْ حَالِهِ، وَلَا التَّخَلُّصَ مِنْ الْأَذَى الَّذِي بِهِ، بِخِلَافِ حَصْرِ الْعَدُوِّ. وَلِأَنَّ {النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَتْ: إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ، وَأَنَا شَاكِيَةٌ. فَقَالَ: حُجِّي، وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتنِي} . فَلَوْ كَانَ الْمَرَضُ يُبِيحُ الْحِلَّ، مَا احْتَاجَتْ إلَى شَرْطٍ. وَحَدِيثُهُمْ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ، فَإِنَّ مُجَرَّدَ الْكَسْرِ وَالْعَرَجِ لَا يَصِيرُ بِهِ حَلَالًا، فَإِنْ حَمَلُوهُ عَلَى أَنَّهُ يُبِيحُ التَّحَلُّلَ، حَمَلْنَاهُ عَلَى مَا إذَا اشْتَرَطَ الْحِلَّ بِذَلِكَ، عَلَى أَنَّ فِي حَدِيثِهِمْ كَلَامًا، فَإِنَّهُ يَرْوِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمَذْهَبُهُ خِلَافُهُ.

فَإِنْ قُلْنَا: يَتَحَلَّلُ. فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ عَلَى مَا مَضَى. وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَتَحَلَّلُ. فَإِنَّهُ يُقِيمُ عَلَى إحْرَامِهِ، وَيَبْعَثُ مَا مَعَهُ مِنْ الْهَدْيِ لِيُذْبَح بِمَكَّةَ، وَلَيْسَ لَهُ نَحْرُهُ فِي مَكَانِهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَلَّلْ. فَإِنْ فَاتَهُ الْحَجُّ، تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ، كَغَيْرِ الْمَرِيضِ.

(2440) فَصْلٌ: وَإِنْ شَرَطَ فِي ابْتِدَاءِ إحْرَامِهِ أَنْ يَحِلَّ مَتَى مَرِضَ، أَوْ ضَاعَتْ نَفَقَتُهُ، أَوْ نَفِدَتْ، أَوْ نَحْوَهُ، أَوْ قَالَ إنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ، فَمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسَنِي. فَلَهُ الْحِلُّ مَتَى وَجَدَ ذَلِكَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لَا هَدْيَ، وَلَا قَضَاءَ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت