الْمَبِيعُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، أَوْ وُهِبَ لَهُ عَبْدٌ فَقَبِلَهُ وَلَمْ يَقْبِضْهُ، أَوْ اشْتَرَاهُ وَلَمْ يَقْبِضْهُ، فَالْفِطْرَةُ عَلَى الْمُشْتَرِي وَالْمُتَّهِبِ ; لِأَنَّ الْمِلْكَ لَهُ، وَالْفِطْرَةُ عَلَى الْمَالِكِ. وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِعَبْدٍ وَمَاتَ الْمُوصِي قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَلَمْ يَقْبَلْ الْمُوصَى لَهُ حَتَّى غَابَتْ، فَالْفِطْرَةُ عَلَيْهِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَالْآخَرُ عَلَى وَرَثَةِ الْمُوصِي، بِنَاءً عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي الْمُوصَى بِهِ هَلْ يَنْتَقِلُ بِالْمَوْتِ أَوْ مِنْ حِينِ الْقَبُولِ ؟ وَلَوْ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ الرَّدِّ وَقَبْلَ الْقَبُولِ، فَقَبِلَ وَرَثَتُهُ، وَقُلْنَا بِصِحَّةِ قَبُولِهِمْ، فَهَلْ تَكُونُ فِطْرَتُهُ عَلَى وَرَثَةِ الْمُوصِي، أَوْ فِي تَرِكَةِ الْمُوصَى لَهُ ؟ وَجْهَيْنِ ; وَقَالَ الْقَاضِي: فِطْرَتُهُ فِي تَرِكَةِ الْمُوصَى لَهُ ; لِأَنَّنَا حَكَمْنَا بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ مِنْ حِينِ الْقَبُولِ. وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ الرَّدِّ وَقَبْلَ الْقَبُولِ، فَإِنْ كَانَ مَوْتُهُ بَعْدَ هِلَالِ شَوَّالٍ، فَفِطْرَةُ الْعَبْدِ فِي تَرِكَتِهِ ; لِأَنَّ الْوَرَثَةَ إنَّمَا قَبِلُوهُ لَهُ.
وَإِنْ كَانَ مَوْتُهُ قَبْلَ هِلَالِ شَوَّالٍ، فَفِطْرَتُهُ عَلَى الْوَرَثَةِ. وَلَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِرَقَبَةِ عَبْدٍ، وَلِآخَرَ بِمَنْفَعَتِهِ، فَقَبِلَا، كَانَتْ الْفِطْرَةُ عَلَى مَالِكِ الرَّقَبَةِ ; لِأَنَّ الْفِطْرَةَ تَجِبُ بِالرَّقَبَةِ لَا بِالْمَنْفَعَةِ وَلِهَذَا تَجِبُ عَلَى مَنْ لَا نَفْعَ فِيهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهَا حُكْمَ نَفَقَتِهِ، وَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ; أَحَدُهَا، أَنَّهَا عَلَى مَالِكِ نَفْعِهِ. وَالثَّانِي: عَلَى مَالِكِ رَقَبَتِهِ. وَالثَّالِثُ: فِي كَسْبِهِ.
(1969) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ قَدَّمَهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، أَجْزَأَهُ)
وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْفِطْرَةِ قَبْلَ الْعِيدِ بِيَوْمَيْنِ، لَا يَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَانُوا يُعْطُونَهَا قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَجُوزُ تَعْجِيلُهَا مِنْ بَعْدِ نِصْفِ الشَّهْرِ، كَمَا يَجُوزُ تَعْجِيلُ أَذَانِ الْفَجْرِ وَالدَّفْعِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَيَجُوزُ تَعْجِيلُهَا مِنْ أَوَّلِ الْحَوْلِ ; لِأَنَّهَا زَكَاةٌ فَأَشْبَهَتْ زَكَاةَ الْمَالِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ مِنْ أَوَّلِ شَهْرِ رَمَضَانَ ; لِأَنَّ سَبَبَ الصَّدَقَةِ الصَّوْمُ وَالْفِطْرُ عَنْهُ، فَإِذَا وُجِدَ أَحَدُ السَّبَبَيْنِ، جَازَ تَعْجِيلُهَا، كَزَكَاةِ الْمَالِ بَعْدَ مِلْكِ النِّصَابِ. وَلَنَا، مَا رَوَى الْجُوزَجَانِيُّ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونُ. قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مَعْشَرٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِهِ، فَيُقْسَمُ - قَالَ يَزِيدُ أَظُنُّ: هَذَا يَوْمَ الْفِطْرِ - وَيَقُولُ أَغْنَوْهُمْ عَنْ الطَّوَافِ فِي هَذَا الْيَوْمِ". وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، وَمَتَى قَدَّمَهَا بِالزَّمَانِ الْكَثِيرِ لَمْ يَحْصُلْ إغْنَاؤُهُمْ بِهَا يَوْمَ الْعِيدِ، وَسَبَبُ وُجُوبِهَا الْفِطْرُ ; بِدَلِيلِ إضَافَتِهَا إلَيْهِ، وَزَكَاةُ الْمَالِ سَبَبُهَا مِلْكُ النِّصَابِ، وَالْمَقْصُودُ إغْنَاءُ الْفَقِيرِ بِهَا فِي الْحَوْلِ كُلِّهِ فَجَازَ إخْرَاجُهَا فِي جَمِيعِهِ، وَهَذِهِ الْمَقْصُودُ مِنْهَا الْإِغْنَاءُ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ فَلَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُهَا قَبْلَ الْوَقْتِ. فَأَمَّا تَقْدِيمُهَا بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ فَجَائِزٌ ; لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ {: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ. وَقَالَ فِي آخِرِهِ: وَكَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ} "
وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى جَمِيعِهِمْ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّ تَعْجِيلَهَا بِهَذَا الْقَدْرِ لَا يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ مِنْهَا، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا تَبْقَى أَوْ بَعْضَهَا إلَى يَوْمِ الْعِيدِ، فَيُسْتَغْنَى بِهَا عَنْ الطَّوَافِ وَالطَّلَبِ فِيهِ، وَلِأَنَّهَا زَكَاةٌ، فَجَازَ تَعْجِيلُهَا قَبْلَ وُجُوبِهَا، كَزَكَاةِ الْمَالِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(1970) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَلْزَمُهُ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ نَفْسِهِ، وَعَنْ عِيَالِهِ، إذَا كَانَ عِنْدَهُ فَضْلٌ عَنْ قُوتِ يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ)
.عِيَالُ الْإِنْسَانِ: مَنْ يَعُولُهُ. أَيْ يَمُونُهُ فَتَلْزَمُهُ فِطْرَتُهُمْ، كَمَا تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُمْ، إذَا وَجَدَ مَا يُؤَدِّي عَنْهُمْ ; لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَضَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ، عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، حُرٍّ وَعَبْدٍ، مِمَّنْ تَمُونُونَ.} وَاَلَّذِي يَلْزَمُ الْإِنْسَانَ نَفَقَتُهُمْ وَفِطْرَتُهُمْ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: الزَّوْجَاتُ، وَالْعَبِيدُ، وَالْأَقَارِبُ. فَأَمَّا الزَّوْجَاتُ فَعَلَيْهِ فِطْرَتُهُنَّ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ