هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ. وَبِهِ قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَرَبِيعَةُ، وَأَبُو الزِّنَادِ، وَمَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُمْ يَحْلِفُونَ، وَيُغَرَّمُونَ الدِّيَةَ ; لِقَضِيَّةِ عُمَرَ، وَخَبَرِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ} . أَيْ يَتَبَرَّءُونَ مِنْكُمْ. وَفِي لَفْظٍ قَالَ: {فَيَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَيَبْرَءُونَ مِنْ دَمِهِ} . وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُغَرِّمْ الْيَهُودَ، وَأَنَّهُ أَدَّاهَا مِنْ عِنْدِهِ، وَلِأَنَّهَا أَيْمَانٌ مَشْرُوعَةٌ فِي حَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَيَبْرَأُ بِهَا، كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ إعْطَاءٌ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، فَلَمْ يَجُزْ لِلْخَبَرِ، وَمُخَالَفَةِ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ ; فَإِنَّ قَوْلَ الْإِنْسَانِ لَا يُقْبَلُ عَلَى غَيْرِهِ بِمُجَرَّدِهِ، كَدَعْوَى الْمَالِ، وَسَائِرِ الْحُقُوقِ ; وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ الْيَمِينِ وَالْغُرْمِ، فَلَمْ يُشْرَعْ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ.
(7025) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ الْمُدَّعُونَ، وَلَمْ يَرْضَوْا بِيَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَدَاهُ الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ)
يَعْنِي أَدَّى دِيَتَهُ ; لِقَضِيَّةِ {عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ حِينَ قُتِلَ بِخَيْبَرَ، فَأَبَى الْأَنْصَارُ أَنْ يَحْلِفُوا ; وَقَالُوا: كَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ ؟ فَوَدَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنْدِهِ. كَرَاهِيَةَ أَنْ يُطَلَّ دَمُهُ} . فَإِنْ تَعَذَّرَ فِدَاؤُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ شَيْءٌ ; لِأَنَّ الَّذِي يُوجِبُهُ عَلَيْهِمْ الْيَمِينُ، وَقَدْ امْتَنَعَ مُسْتَحِقُّوهَا مِنْ اسْتِيفَائِهَا، فَلَمْ يَجِبْ لَهُمْ غَيْرُهَا، كَدَعْوَى الْمَالِ.
(7026) فَصْلٌ: وَإِنْ امْتَنَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ مِنْ الْيَمِينِ، لَمْ يُحْبَسُوا حَتَّى يَحْلِفُوا. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُمْ يُحْبَسُونَ حَتَّى يَحْلِفُوا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَلَنَا، أَنَّهَا يَمِينٌ مَشْرُوعَةٌ فِي حَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَلَمْ يُحْبَسْ عَلَيْهَا، كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ بِالنُّكُولِ ; لِأَنَّهُ حُجَّةٌ ضَعِيفَةٌ، فَلَا يُشَاطُ بِهَا الدَّمُ، كَالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ. قَالَ الْقَاضِي: وَيَدِيهِ الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَرَوَى عَنْهُ حَرْبُ بْنُ إسْمَاعِيلَ، أَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ عَلَيْهِمْ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ; لِأَنَّهُ حُكْمٌ ثَبَتَ بِالنُّكُولِ، فَيَثْبُتُ فِي حَقِّهِمْ هَاهُنَا، كَسَائِرِ الدَّعَاوَى، وَلِأَنَّ وُجُوبَهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ، يُفْضِي إلَى إهْدَارِ الدَّمِ، وَإِسْقَاطِ حَقِّ الْمُدَّعِينَ، مَعَ إمْكَانِ جَبْرِهِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَسَائِرِ الدَّعَاوَى، وَلِأَنَّهَا يَمِينٌ تَوَجَّهَتْ فِي دَعْوَى أَمْكَنَ إيجَابُ الْمَالِ بِهَا، فَلَمْ تَخْلُ مِنْ وُجُوبِ شَيْءٍ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، كَمَا فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى، وَهَا هُنَا لَوْ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَالٌ بِنُكُولِهِ، وَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى الْيَمِينِ ; لَخَلَا مِنْ وُجُوبِ شَيْءٍ عَلَيْهِ بِالْكُلِّيَّةِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ رُدَّتْ الْأَيْمَانُ عَلَى الْمُدَّعِينَ، إنْ قُلْنَا: مُوجَبُهَا الْمَالُ. فَإِنْ حَلَفُوا، اسْتَحَقُّوا، وَإِنْ نَكَلُوا، فَلَا شَيْءَ لَهُمْ. وَإِنْ قُلْنَا: مُوجَبُهَا الْقِصَاصُ. فَهَلْ تُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعِينَ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ. وَهَذَا الْقَوْلُ لَا يَصْلُحُ ; لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا شُرِعَتْ فِي حَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا نَكَلَ عَنْهَا الْمُدَّعِي، فَلَا تُرَدُّ عَلَيْهِ، كَمَا لَا تُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا نَكَلَ الْمُدَّعِي عَنْهَا بَعْدَ رَدِّهَا عَلَيْهِ فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى، وَلِأَنَّهَا يَمِينٌ مَرْدُودَةٌ عَلَى أَحَدِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ، فَلَا تُرَدُّ عَلَى مَنْ رَدَّهَا، كَدَعْوَى الْمَالِ.