فهرس الكتاب

الصفحة 1356 من 3896

جَعَلَهُ فِي مُقَابَلَتِهِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُضَاهِي رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ، كَانُوا يَزِيدُونَ فِي الدَّيْنِ لِيَزْدَادُوا فِي الْأَجَلِ.

(3367) فَصْلٌ: إذَا كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ أَلْفٌ، فَقَالَ: أَقْرِضْنِي أَلْفًا، بِشَرْطِ أَنْ أَرْهَنَك عَبْدِي هَذَا بِالْأَلْفَيْنِ فَنَقَلَ حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ الْقَرْضَ بَاطِلٌ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ قَرْضٌ يَجُرُّ مَنْفَعَةً، وَهُوَ الِاسْتِيثَاقُ بِالْأَلْفِ الْأَوَّلِ. وَإِذَا بَطَلَ الْقَرْضُ بَطَلَ الرَّهْنُ. فَإِذَا قِيلَ: أَلَيْسَ لَوْ شَرَطَ أَنَّهُ يُعْطِيَهُ رَهْنًا بِمَا يَقْتَرِضُهُ جَازَ ؟ قُلْنَا: لَيْسَ هَذَا قَرْضًا جَرَّ مَنْفَعَةً ; لِأَنَّ غَايَةَ مَا حَصَلَ لَهُ تَأْكِيدُ الِاسْتِيفَاءِ لِبَدَلِ مَا أَقْرَضَهُ، وَهُوَ مِثْلُهُ، وَالْقَرْضُ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْوَفَاءِ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا شَرَطَ فِي هَذَا الْقَرْضِ الِاسْتِيثَاقَ لِدَيْنِهِ الْأَوَّلِ، فَقَدْ شَرَطَ اسْتِيثَاقًا لِغَيْرِ مُوجِبِ الْقَرْضِ.

وَنَقَلَ مُهَنَّا أَنَّ الْقَرْضَ صَحِيحٌ. وَلَعَلَّ أَحْمَدَ حَكَمَ بِصِحَّةِ الْقَرْضِ مَعَ فَسَادِ الشَّرْطِ، كَيْ لَا يُفْضِيَ إلَى جَرِّ الْمَنْفَعَةِ بِالْقَرْضِ، أَوْ حَكَمَ بِفَسَادِ الرَّهْنِ فِي الْأَلْفِ الْأَوَّلِ وَحْدَهُ، وَصَحَّحَهُ فِيمَا عَدَاهُ. وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الْقَرْضِ بَيْعٌ، فَقَالَ: بِعْنِي عَبْدَك هَذَا بِأَلْفٍ، عَلَى أَنْ أَرْهَنَك عَبْدِي بِهِ وَبِالْأَلْفِ الْآخَرِ الَّذِي عَلَى. فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ; لِأَنَّ الثَّمَنَ مَجْهُولٌ، فَإِنَّهُ جَعَلَ الثَّمَنَ أَلْفًا وَمَنْفَعَةً هِيَ وَثِيقَةٌ بِالْأَلْفِ الْأَوَّلِ، وَتِلْكَ الْمَنْفَعَةُ مَجْهُولَةٌ، وَلِأَنَّهُ شَرَطَ عَقْدَ الرَّهْنِ بِالْأَلْفِ الْأَوَّلِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ أَفْرَدَهُ، أَوْ كَمَا لَوْ بَاعَهُ دَارِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَبِيعَهُ الْآخَرُ دَارِهِ.

(3368) فَصْلٌ: وَإِذَا فَسَدَ الرَّهْنُ، وَقَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ ; لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِحُكْمِ أَنَّهُ رَهْنٌ، وَكُلُّ عَقْدٍ كَانَ صَحِيحُهُ غَيْرَ مَضْمُونٍ أَوْ مَضْمُونًا، فَفَاسِدُهُ كَذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ مُؤَقَّتًا، أَوْ شَرَطَ أَنَّهُ يَصِيرُ لِلْمُرْتَهِنِ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّتِهِ، صَارَ بَعْدَ ذَلِكَ مَضْمُونًا ; لِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ بِحُكْمِ بَيْعٍ فَاسِدٍ، وَحُكْمُ الْفَاسِدِ مِنْ الْعُقُودِ حُكْمُ الصَّحِيحِ فِي الضَّمَانِ.

فَإِنْ كَانَ أَرْضًا فَغَرَسَهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ، فَهُوَ كَغَرْسِ الْغَاصِبِ ; لِأَنَّهُ غَرْسٌ بِغَيْرِ إذْنٍ، وَإِنْ غَرَسَ بَعْدَ الْأَجَلِ، وَكَانَ قَدْ شَرَطَ أَنَّ الرَّهْنَ يَصِيرُ لَهُ، فَقَدْ غَرَسَ بِإِذْنِ ; لِأَنَّ الْبَيْعَ وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا، فَقَدْ تَضَمَّنَ الْإِذْنَ فِي التَّصَرُّفِ، فَيَكُونُ الرَّاهِنُ مُخَيَّرًا بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ، بَيْنَ أَنْ يُقِرَّ غَرْسَهُ لَهُ، وَبَيْنَ أَخْذِهِ بِقِيمَتِهِ، وَبَيْنَ أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى قَلْعِهِ، وَيَضْمَنَ لَهُ مَا نَقَصَ.

(3369) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يَنْتَفِعُ الْمُرْتَهِنُ مِنْ الرَّهْنِ بِشَيْءِ، إلَّا مَا كَانَ مَرْكُوبًا أَوْ مَحْلُوبًا، فَيَرْكَبُ وَيَحْلُبُ بِقَدْرِ الْعَلَفِ)

الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي حَالَيْنِ ; أَحَدِهِمَا مَا لَا يَحْتَاجُ إلَى مُؤْنَةٍ، كَالدَّارِ وَالْمَتَاعِ وَنَحْوِهِ، فَلَا يَجُوزُ لِلْمُرْتَهِنِ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِغَيْرِ إذْنِ الرَّاهِنِ بِحَالٍ. لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ; لِأَنَّ الرَّهْنَ مِلْكُ الرَّاهِنِ، فَكَذَلِكَ نَمَاؤُهُ وَمَنَافِعُهُ، فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَخْذُهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَإِنْ أَذِنَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ فِي الِانْتِفَاعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَكَانَ دَيْنُ الرَّهْنِ مِنْ قَرْضٍ، لَمْ يَجُزْ ; لِأَنَّهُ يُحَصِّلُ قَرْضًا يَجُرُّ مَنْفَعَةً، وَذَلِكَ حَرَامٌ.

قَالَ أَحْمَدُ: أَكْرَهُ قَرْضَ، الدُّورِ، وَهُوَ الرِّبَا الْمَحْضُ. يَعْنِي: إذَا كَانَتْ الدَّارُ رَهْنًا فِي قَرْضٍ يَنْتَفِعُ بِهَا الْمُرْتَهِنُ. وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ بِثَمَنِ مَبِيعٍ، أَوْ أَجْرِ دَارٍ، أَوْ دَيْنٍ غَيْرِ الْقَرْضِ، فَأَذِنَ لَهُ الرَّاهِنُ فِي الِانْتِفَاعِ، جَازَ ذَلِكَ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ. فَأَمَّا إنْ كَانَ الِانْتِفَاعُ بِعِوَضِ، مِثْلُ إنْ اسْتَأْجَرَ الْمُرْتَهِنُ الدَّارَ مِنْ الرَّاهِنِ بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا، مِنْ غَيْر مُحَابَاةٍ، جَازَ فِي الْقَرْضِ وَغَيْرِهِ، لِكَوْنِهِ مَا انْتَفَعَ بِالْقَرْضِ، بَلْ بِالْإِجَارَةِ، وَإِنْ حَابَاهُ فِي ذَلِكَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الِانْتِفَاعِ، بِغَيْرِ عِوَضٍ، لَا يَجُوزُ فِي الْقَرْضِ، وَيَجُوزُ فِي غَيْرِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت