فهرس الكتاب

الصفحة 1841 من 3896

يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهَا، مَعَ بَقَائِهَا دَائِمًا، فَصَحَّ وَقْفُهَا، كَالْعَقَارِ، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ تَحْبِيسُ أَصْلِهَا وَتَسْبِيلُ الثَّمَرَةِ، فَصَحَّ وَقْفُهَا، كَالْعَقَارِ

وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَقْفُهَا. وَأَنْكَرَ الْحَدِيثَ عَنْ حَفْصَةَ فِي وَقْفِهِ. وَذَكَرِهِ ابْنُ أَبِي مُوسَى، إلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ تَأَوَّلَهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْحَدِيثُ فِيهِ. وَوَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ التَّحَلِّيَ لَيْسَ هُوَ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ مِنْ الْأَثْمَانِ، فَلَمْ يَصِحَّ وَقْفُهَا عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ وَقَفَ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ. وَالْأُوَلُ هُوَ الْمَذْهَبُ ; لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَالتَّحَلِّي مِنْ الْمَقَاصِدِ الْمُهِمَّةِ، وَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِهِ، وَقَدْ اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ فِي إسْقَاطِ الزَّكَاةِ عَنْ مُتَّخِذِهِ، وَجَوَّزَ إجَارَتَهُ لِذَلِكَ

وَيُفَارِقُ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ، فَإِنْ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِالتَّحَلِّي بِهِ، وَلَا اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ فِي إسْقَاطِ زَكَاتِهِ، وَلَا ضَمَانِ مَنْفَعَتِهِ فِي الْغَصْبِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.

(4426) فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ وَقْفُ الشَّمْعِ ; لِأَنَّهُ يَتْلَفُ بِالِانْتِفَاعِ بِهِ، فَهُوَ كَالْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ، وَلَا مَا يُسْرِعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ، مِنْ الْمَشْمُومَاتِ وَالرَّيَاحِينِ وَأَشْبَاهِهَا ; لِأَنَّهَا تَتْلَفُ عَلَى قُرْبٍ مِنْ الزَّمَانِ، فَأَشْبَهَتْ الْمَطْعُومَ، وَلَا وَقْفُ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، كَأُمِّ الْوَلَدِ، وَالْمَرْهُونِ، وَالْكَلْبِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَسَائِرِ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ الَّتِي لَا تَصْلُحُ لِلصَّيْدِ، وَجَوَارِحِ الطَّيْرِ الَّتِي لَا يُصَادُ بِهَا ; لِأَنَّهُ نَقْلٌ لِلْمِلْكِ فِيهَا فِي الْحَيَاةِ، فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ، وَلِأَنَّ الْوَقْفَ تَحْبِيسُ الْأَصْلِ وَتَسْبِيلُ الْمَنْفَعَةِ، وَمَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ لَا يَحْصُلُ فِيهِ تَسْبِيلُ الْمَنْفَعَةِ، وَالْكَلْبُ أُبِيحَ الِانْتِفَاعُ بِهِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ لِلضَّرُورَةِ.

فَلَمْ يَجُزْ التَّوَسُّعُ فِيهَا، وَالْمَرْهُونُ فِي وَقْفِهِ إبْطَالُ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ مِنْهُ فَلَمْ يَجُزْ إبْطَالُهُ. وَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ فِيمَا لَيْسَ بِمُعَيَّنٍ، كَعَبْدٍ فِي الذِّمَّةِ، وَدَارٍ، وَسِلَاحٍ ; لِأَنَّ الْوَقْفَ إبْطَالٌ لِمَعْنَى الْمِلْكِ فِيهِ، فَلَمْ يَصِحَّ فِي عَبْدٍ مُطْلَقٍ، كَالْعِتْقِ.

(4427) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ، فِي مَنْ وَصَّى بِفَرَسٍ وَسَرْجٍ وَلِجَامٍ مُفَضَّضٍ، يُوقَفُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: فَهُوَ عَلَى مَا وَقَفَ وَوَصَّى، وَإِنْ بِيعَ الْفِضَّةُ مِنْ السَّرْجِ، وَاللِّجَامِ، وَجُعِلَ فِي وَقْفِ مِثْلِهِ، فَهُوَ أَحَبُّ ; لِأَنَّ الْفِضَّةَ لَا يُنْتَفَعُ بِهَا، وَلَعَلَّهُ يَشْتَرِي بِتِلْكَ الْفِضَّةِ سَرْجًا وَلِجَامًا، فَيَكُونُ أَنْفَعَ لِلْمُسْلِمِينَ

فَقِيلَ لَهُ: تُبَاعُ الْفِضَّةُ، وَتُجْعَلُ فِي نَفَقَتِهِ ؟ قَالَ: لَا. فَأَبَاحَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِفِضَّةِ السَّرْجِ وَاللِّجَامِ سَرْجًا وَلِجَامًا ; لِأَنَّهُ صَرْفٌ لَهُمَا فِي جِنْسِ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ، حِينَ لَمْ يُنْتَفَعْ بِهِمَا فِيهِ. فَأَشْبَهَ الْفَرَسَ الْحَبِيسَ إذَا عَطِبَ فَلَمْ يُنْتَفَعْ بِهِ فِي الْجِهَادِ، جَازَ بَيْعُهُ، وَصَرْفُ ثَمَنِهِ فِي مِثْلِهِ، وَلَمْ يَجُزْ إيقَافُهَا عَلَى الْفَرَسِ ; لِأَنَّهُ صَرْفٌ لَهَا إلَى غَيْرِ جِهَتِهَا.

(4428) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَصِحُّ الْوَقْفُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ)

وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي يَجُوزُ وَقْفُهُ، مَا جَازَ بَيْعُهُ، وَجَازَ الِانْتِفَاعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ، وَكَانَ أَصْلًا يَبْقَى بَقَاءً مُتَّصِلًا، كَالْعَقَارِ، وَالْحَيَوَانَاتِ، وَالسِّلَاحِ، وَالْأَثَاثِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ. قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: إنَّمَا الْوَقْفُ فِي الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ، عَلَى مَا وَقَفَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ فِي مَنْ وَقَفَ خَمْسَ نَخَلَاتٍ عَلَى مَسْجِدٍ: لَا بَأْسَ بِهِ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ

وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَجُوزُ وَقْفُ الْحَيَوَانِ، وَلَا الرَّقِيقِ، وَلَا الْكُرَاعِ، وَلَا الْعُرُوضِ، وَلَا السِّلَاحِ، وَالْغِلْمَانِ، وَالْبَقَرِ، وَالْآلَةِ فِي الْأَرْضِ الْمَوْقُوفَةِ تَبَعًا لَهَا ; لِأَنَّ الْحَيَوَانَ لَا يُقَاتَلُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَجُزْ وَقْفُهُ، كَمَا لَوْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت