فَصْلٌ: وَحُكْمُ الْمُكَاتَبِ وَالْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُعْتَقِ بَعْضُهُ، حُكْمُ الْقِنِّ، فِيمَا ذَكَرْنَا ; لِأَنَّ الرِّقَّ فِيهِمْ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْمُكَاتَبِ.، وَبِهِ قَالَ عَطَاءُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ. وَلَنَا، مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْعَبْدِ، وَإِذَا ثَبَتَ الْحُكْمُ فِي الْقِنِّ، فَفِي هَؤُلَاءِ أَوْلَى ; لِأَنَّهُمْ أَكْمَلُ مِنْهُ، لِوُجُودِ أَسْبَابِ الْحُرِّيَّةِ فِيهِمْ.
(8396) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَشَهَادَةُ وَلَدِ الزِّنَى جَائِزَةٌ، فِي الزِّنَى وَغَيْرِهِ)
هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ; مِنْهُمْ عَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ: لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ فِي الزِّنَى وَحْدَهُ ; لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ، فَإِنَّ الْعَادَةَ فِي مَنْ فَعَلَ قَبِيحًا، أَنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لَهُ نُظَرَاءُ. وَحُكِيَ عَنْ عُثْمَانَ، أَنَّهُ قَالَ: وَدَّتْ الزَّانِيَةُ أَنَّ النِّسَاءَ كُلَّهُنَّ زَنَيْنَ.
وَلَنَا، عُمُومُ الْآيَاتِ، وَأَنَّهُ عَدْلٌ مَقْبُولُ الشَّهَادَةِ فِي غَيْرِ الزِّنَى، فَقُبِلَ فِي الزِّنَى كَغَيْرِهِ، وَمَنْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ فِي الْقَتْلِ، قُبِلَتْ فِي الزِّنَى، كَوَلَدِ الرِّشْدَةِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَمَا احْتَجُّوا بِهِ غَلَطٌ مِنْ وُجُوهٍ ; أَحَدُهَا، أَنَّ وَلَدَ الزِّنَى لَمْ يَفْعَلْ فِعْلًا قَبِيحًا، يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لَهُ نُظَرَاءُ فِيهِ. وَالثَّانِي، أَنَّنِي لَا أَعْلَمُ مَا ذُكِرَ عَنْ عُثْمَانَ ثَابِتًا عَنْهُ، وَأَشْبَهُ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ ثَابِتًا عَنْهُ، وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُطْلِقَ عُثْمَانُ كَلَامًا بِالظَّنِّ عَنْ ضَمِيرِ امْرَأَةٍ لَمْ يَسْمَعْهَا تَذْكُرُهُ.
الثَّالِثُ، أَنَّ الزَّانِيَ لَوْ تَابَ، لَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَهُوَ الَّذِي فَعَلَ الْفِعْلَ الْقَبِيحَ، فَإِذَا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ مَعَ مَا ذَكَرُوهُ، فَغَيْرُهُ أَوْلَى ; فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَلْزَمَ وَلَدَهُ مِنْ وِزْرِهِ أَكْثَرُ مِمَّا لَزِمَهُ، وَمَا يَتَعَدَّى الْحُكْمُ إلَى غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَثْبُتَ فِيهِ، مَعَ أَنَّ وَلَدَهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْ وِزْرِهِ ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} . وَوَلَدُ الزِّنَى لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا يَسْتَوْجِبُ بِهِ حُكْمًا..
(8397) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا تَابَ الْقَاذِفُ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ)
وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْقَاذِفَ إنْ كَانَ زَوْجًا، فَحَقَّقَ قَذْفَهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ لِعَانٍ، أَوْ كَانَ أَجْنَبِيًّا، فَحَقَّقَهُ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِإِقْرَارِ الْمَقْذُوفِ، لَمْ يَتَعَلَّقْ بِقَذْفِهِ فِسْقٌ، وَلَا حَدٌّ، وَلَا رَدُّ شَهَادَةٍ، وَإِنْ لَمْ يُحَقِّقْ قَذْفَهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، تَعَلَّقَ بِهِ وُجُوبُ الْحَدِّ عَلَيْهِ، وَالْحُكْمُ بِفِسْقِهِ، وَرَدُّ شَهَادَتِهِ ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ} . فَإِنْ تَابَ، لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْحَدُّ، وَزَالَ الْفِسْقُ، بِلَا خِلَافٍ. وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عِنْدَنَا.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتَبَةَ، وَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، وَأَبُو الزِّنَادِ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالْبَتِّيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَذَكَرَهُ ابْنُ عُبِدَ الْبَرِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَرَبِيعَةَ.
وَقَالَ شُرَيْحٌ، وَالْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إذَا جُلِدَ، وَإِنْ تَابَ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لَا