لَكُفْرِهِ، أَوْ صَبِيٍّ لِصِغَرِهِ، أَوْ عَبْدٍ لِرِقِّهِ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْكَافِرُ، وَبَلَغَ الصَّبِيُّ، وَعَتَقَ الْعَبْدُ، وَأَعَادُوا تِلْكَ الشَّهَادَةَ، فَإِنَّهَا لَا تُرَدُّ ; لِأَنَّهَا لَمْ تُرَدَّ أَوَّلًا بِالِاجْتِهَادِ، وَإِنَّمَا رُدَّتْ بِالْيَقِينِ، وَلِأَنَّ الْبُلُوغَ وَالْحُرِّيَّةَ لَيْسَا مِنْ فِعْلِ الشَّاهِدِ، فَيُتَّهَمُ فِي أَنَّهُ فَعَلَهُمَا لِتُقْبَلَ شَهَادَتُهُ، وَالْكَافِرُ لَا يَرَى كُفْرَهُ عَارًا، وَلَا يَتْرُكُ دِينَهُ مِنْ أَجْلِ شَهَادَةٍ رُدَّتْ عَلَيْهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّخَعِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَأَبِي الزِّنَادِ، وَمَالِكٍ، أَنَّهَا تُرَدُّ أَيْضًا فِي حَقِّ مَنْ أَسْلَمَ وَبَلَغَ، وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى كَذَلِكَ ; لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ مَرْدُودَةٌ، فَلَمْ تُقْبَلْ، كَشَهَادَةِ مَنْ كَانَ فَاسِقًا. وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا يَقْتَضِي فَرْقًا بَيْنَهُمَا فَيُفَرَّقَانِ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، فِي الْعَبْدِ إذَا رُدَّتْ شَهَادَتُهُ لِرِقِّهِ، ثُمَّ عَتَقَ، وَادَّعَى تِلْكَ الشَّهَادَةَ، رِوَايَتَانِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَوْلَى أَنَّ شَهَادَتَهُ تُقْبَلُ ; لِأَنَّ الْعِتْقَ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ، وَهُوَ أَمْرٌ يَظْهَرُ، بِخِلَافِ الْفِسْقِ.
(8403) فَصْلٌ: وَإِنْ شَهِدَ السَّيِّدُ لِمُكَاتَبِهِ، فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ أَوْ شَهِدَ وَارِثٌ لِمَوْرُوثِهِ بِالْجَرْحِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ، فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ، ثُمَّ عَتَقَ الْمُكَاتَبُ، وَبَرَأَ الْجُرْحُ، وَأَعَادُوا تِلْكَ الشَّهَادَةَ، فَفِي قَبُولِهَا وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا، تُقْبَلُ ; لِأَنَّ زَوَالَ الْمَانِعِ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِمْ، فَأَشْبَهَ زَوَالَ. الصَّبِيِّ بِالْبُلُوغِ، وَلِأَنَّ رَدَّهَا بِسَبَبٍ لَا عَارَ فِيهِ، فَلَا يُتَّهَمُ فِي قَصْدِ نَفْيِ الْعَارِ بِإِعَادَتِهَا، بِخِلَافِ الْفِسْقِ. وَالثَّانِي، لَا تُقْبَلُ ; لِأَنَّهُ رَدَّهَا بِاجْتِهَادِهِ، فَلَا يَنْقُضُهَا بِاجْتِهَادِهِ.
وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ بِالصِّحَّةِ، فَإِنَّ الْأَصْلَ قَبُولُ شَهَادَةِ الْعَدْلِ، مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ مَانِعٌ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الشَّهَادَةِ الْمَرْدُودَةِ لِلْفِسْقِ ; لِمَا ذَكَرْنَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْفَرْقِ. وَيُخَرَّجُ عَلَى هَذَا كُلُّ شَهَادَةٍ مَرْدُودَةٍ ; إمَّا لِلتُّهْمَةِ، أَوْ لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ، إذَا أَعَادَهَا بَعْدَ زَوَالِ التُّهْمَةِ، وَوُجُودِ الْأَهْلِيَّةِ، فَهَلْ تُقْبَلُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
(8404) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ كَانَ لَمْ يَشْهَدْ بِهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ، حَتَّى صَارَ عَدْلًا، قُبِلَتْ مِنْهُ)
وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّحَمُّلَ لَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الْعَدَالَةُ، وَلَا الْبُلُوغُ، وَلَا الْإِسْلَامُ ; لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي الْأَدَاءِ، فَإِذَا رَأَى الْفَاسِقُ شَيْئًا، أَوْ سَمِعَهُ، ثُمَّ عُدِّلَ، وَشَهِدَ بِهِ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَهَكَذَا الصَّبِيُّ، وَالْكَافِرُ إذَا شَهِدَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَالْبُلُوغِ، قُبِلَتْ وَكَذَلِكَ الرِّوَايَةُ ; وَلِذَلِكَ كَانَ الصِّبْيَانُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْوُونَ عَنْهُ بَعْدَ أَنْ كَبِرُوا ; كَالْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَابْنِ جَعْفَرٍ، وَالشَّهَادَةُ فِي مَعْنَى الرِّوَايَةِ، وَلِذَلِكَ اُعْتُبِرَتْ لَهَا الْعَدَالَةُ وَغَيْرُهَا مِنْ الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ لِلشَّهَادَةِ.
(8405) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَوْ شَهِدَ وَهُوَ عَدْلٌ، فَلَمْ يُحْكَمْ بِشَهَادَتِهِ حَتَّى حَدَثَ مِنْهُ مَا لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ مَعَهُ، لَمْ يُحْكَمْ بِهَا)
.وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ إذَا شَهِدَا عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَهُمَا مِمَّنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَلَمْ يَحْكُمْ بِهَا حَتَّى فَسَقَا، أَوْ كُفْرًا، لَمْ يَحْكُمْ بِشَهَادَتِهِمَا. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَالْمُزَنِيُّ: يَحْكُمُ بِهَا ; لِأَنَّ بَقَاءَ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ لَيْسَ شَرْطًا فِي الْحُكْمِ ; بِدَلِيلِ مَا لَوْ مَاتَا ; وَلِأَنَّ فِسْقَهُمَا تَجَدَّدَ بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَجَدَّدَ بَعْدَ الْحُكْمِ