مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَلَوْ ظَاهَرَ مِنْ زَوْجَتِهِ، وَهِيَ أَمَةٌ، فَلَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى مَلَكَهَا، انْفَسَخَ النِّكَاحُ، وَلَمْ يَطَأْهَا حَتَّى يُكَفِّرَ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الظِّهَارَ يَصِحُّ مِنْ كُلِّ زَوْجَةٍ، أَمَةً كَانَتْ أَوْ حُرَّةً. فَإِذَا ظَاهَرَ مِنْ زَوْجَتِهِ الْأَمَةِ، ثُمَّ مَلَكَهَا. انْفَسَخَ النِّكَاحُ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي بَقَاءِ حُكْمِ الظِّهَارِ ; فَذَكَرَ الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا أَنَّهُ بَاقٍ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ الْوَطْءُ حَتَّى يُكَفِّرَ. وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ الْقَاضِي: الْمَذْهَبُ مَا ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} .
وَهَذَا قَدْ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ، فَلَمْ يَحِلَّ لَهُ مَسُّهَا حَتَّى يُكَفِّرَ، وَلِأَنَّ الظِّهَارَ قَدْ صَحَّ فِيهَا، وَحُكْمُهُ لَا يَسْقُطُ بِالطَّلَاقِ الْمُزِيلِ لِلْمِلْكِ وَالْحِلِّ، فَبِمِلْكِ الْيَمِينِ أَوْلَى، وَلِأَنَّهَا يَمِينٌ انْعَقَدَتْ مُوجِبَةً لَكَفَّارَةٍ، فَوَجَبَتْ دُونَ غَيْرِهَا، كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ: يَسْقُطُ الظِّهَارُ بِمِلْكِهِ لَهَا، وَإِنْ وَطِئَهَا حَنِثَ، وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، كَمَا لَوْ تَظَاهَرَ مِنْهَا، وَهِيَ أَمَتُهُ ; لِأَنَّهَا خَرَجَتْ عَنْ الزَّوْجَاتِ، وَصَارَ وَطْؤُهُ لَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ، فَلَمْ يَكُنْ مُوجِبًا لِكَفَّارَةِ الظِّهَارِ، كَمَا لَوْ تَظَاهَرَ مِنْهَا وَهِيَ أَمَتُهُ. وَيَقْتَضِي قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ هَذَا أَنْ تُبَاحَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ ; لِأَنَّهُ أَسْقَطَ الظِّهَارَ، وَجَعَلَهُ يَمِينًا، كَتَحْرِيمِ أَمَتِهِ.
فَإِنْ أَعْتَقَهَا عَنْ كَفَّارَتِهِ، صَحَّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ. فَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، حَلَّتْ لَهُ بِغَيْرِ كَفَّارَةٍ ; لِأَنَّهُ كَفَّرَ عَنْ ظِهَارِهِ بِإِعْتَاقِهَا، وَلَا يَمْتَنِعُ إجْزَاؤُهَا عَنْ الْكَفَّارَةِ الَّتِي وَجَبَتْ بِسَبَبِهَا، كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ مَلَكْتُ أَمَةً، فَلِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ فَمَلَكَ أَمَةً، فَأَعْتَقَهَا. وَإِنْ أَعْتَقَهَا عَنْ غَيْرِ الْكَفَّارَةِ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، عَادَ حُكْمُ الظِّهَارِ، وَلَمْ تَحِلّ لَهُ حَتَّى يُكَفِّرَ.
(6192) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَلَوْ تَظَاهَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسَائِهِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ كَفَّارَةٍ)
وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا ظَاهَرَ مِنْ نِسَائِهِ الْأَرْبَعِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ: أَنْتُنَّ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي. فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ كَفَّارَةٍ. بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ. وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ، وَعُمَرَ وَعُرْوَةَ، وَطَاوُسٍ، وَعَطَاءٍ، وَرَبِيعَةَ، وَمَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ، وَالْحَكَمُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَالشَّافِعِيُّ، فِي الْجَدِيدِ: عَلَيْهِ لِكُلِّ امْرَأَةٍ كَفَّارَةٌ ; لِأَنَّهُ وُجِدَ الظِّهَارُ وَالْعَوْدُ فِي حَقِّ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ كَفَّارَةٌ، كَمَا لَوْ أَفْرَدَهَا بِهِ.
وَلَنَا، عُمُومُ قَوْلِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا رَوَاهُ عَنْهُمَا الْأَثْرَمُ، وَلَا نَعْرِفُ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا، فَكَانَ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّ الظِّهَارَ كَلِمَةٌ تَجِبُ بِمُخَالَفَتِهَا الْكَفَّارَةُ، فَإِذَا وُجِدَتْ فِي جَمَاعَةٍ أَوْجَبَتْ كَفَّارَةً وَاحِدَةً، كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى. وَفَارَقَ مَا إذَا ظَاهَرَ بِكَلِمَاتٍ ; فَإِنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ تَقْتَضِي كَفَّارَةً تَرْفَعُهَا، وَتُكَفِّرُ إثْمَهَا. وَهَاهُنَا الْكَلِمَةُ وَاحِدَةٌ، فَالْكَفَّارَةُ الْوَاحِدَةُ تَرْفَعُ حُكْمَهَا، وَتَمْحُوا إثْمَهَا، فَلَا يَبْقَى لَهَا حُكْمٌ.
(6193) فَصْلٌ: وَمَفْهُومُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّهُ إذَا ظَاهَرَ مِنْهُنَّ بِكَلِمَاتٍ، فَقَالَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي. فَإِنَّ لِكُلِّ يَمِينٍ كَفَّارَةً. وَهَذَا قَوْلُ عُرْوَةَ، وَعَطَاءٍ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ: الْمَذْهَبُ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ فِي هَذَا. قَالَ الْقَاضِي: الْمَذْهَبُ عِنْدِي مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ يُجْزِئُهُ كَفَّارَةٌ