عَنْ عُهْدَةِ الَّذِينَ أَطْعَمَهُمْ بِالْإِطْعَامِ، وَيَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ الَّذِينَ كَسَاهُمْ بِالْكِسْوَةِ ; بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ بِالْإِنْفَاقِ أَكْثَرُ مِنْ إطْعَامِ مَنْ بَقِيَ، وَلَا كِسْوَةُ أَكْثَرَ مِمَّنْ بَقِيَ، وَإِذَا خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ، وَجَبَ أَنْ يُجْزِئَهُ، كَمَا لَوْ اتَّفَقَ النَّوْعُ.
وَأَمَّا الْآيَةُ، فَإِنَّهَا تَدُلُّ بِمَعْنَاهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، فَإِنَّهَا دَلَّتْ عَلَى أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي كُلِّ فَقِيرٍ بَيْنَ أَنْ يُطْعِمَهُ أَوْ يَكْسُوَهُ، وَهَذَا يَقْتَضِي مَا ذَكَرْنَاهُ، وَيَصِيرُ كَمَا يُخَيَّرُ فِي الصَّيْدِ الْحَرَمِيِّ بَيْنَ أَنْ يَفْدِيَهُ بِالنَّظِيرِ، أَوْ يُقَوِّمَ النَّظِيرِ بِدَرَاهِمَ، فَيَشْتَرِيَ بِهَا طَعَامًا يَتَصَدَّقُ بِهِ، أَوْ يَصُومَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، فَلَوْ صَامَ عَنْ بَعْضِ الْأَمْدَادِ، وَأَطْعَمَ بَعْضًا، أَجْزَأَ كَذَلِكَ هَاهُنَا.
وَكَذَلِكَ الدِّيَةُ، لِمَا كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ إخْرَاجِ أَلْفِ دِينَارٍ، أَوْ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، لَوْ أَعْطَى الْبَعْضَ ذَهَبًا، وَالْبَعْضَ دَرَاهِمَ، جَازَ. وَفَارَقَ مَا إذَا أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدٍ. وَأَطْعَمَ خَمْسَةً أَوْ كَسَاهُمْ ; لِأَنَّ تَنْصِيفَ الْعِتْقِ يُخِلُّ بِالْآخَرِ ; لِمَا سَنَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا.
(8062) فَصْلٌ: وَإِنْ أَطْعَمَ الْمِسْكِينَ بَعْضَ الطَّعَامِ، وَكَسَاهُ بَعْضَ الْكِسْوَةِ، لَمْ يُجْزِئْهُ ; لِأَنَّهُ مَا أَطْعَمَهُ الطَّعَامَ الْوَاجِبَ لَهُ، وَلَا كَسَاهُ الْكِسْوَةَ الْوَاجِبَةَ، فَصَارَ كَمَنْ لَمْ يُطْعِمْهُ شَيْئًا وَلَمْ يَكْسُهُ، وَإِنْ أَطْعَمَ بَعْضَ الْمَسَاكِينِ بُرًّا، وَبَعْضَهُمْ تَمْرًا، أَوْ مِنْ جِنْسٍ آخَرَ، أَجْزَأَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُجْزِئُهُ. وَلَنَا، قَوْله تَعَالَى: {فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} . وَقَدْ أَطْعَمَهُمْ مِنْ جِنْسِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَسَا بَعْضَ الْمَسَاكِينِ قُطْنًا، وَبَعْضَهُمْ كَتَّانًا، جَازَ، مَعَ اخْتِلَافِ النَّوْعِ، كَذَلِكَ الْإِطْعَامُ.
(8063) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ أَعْتَقَ نِصْفَيْ عَبْدَيْنِ، أَوْ نِصْفَيْ أَمَتَيْنِ، أَوْ نِصْفَيْ عَبْدٍ وَأَمَةٍ، أَجْزَأَ عَنْهُ)
قَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ: هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ. يَعْنِي أَكْثَرَ الْفُقَهَاءِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ جَعْفَرٍ: لَا يُجْزِئُ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْعِتْقِ تَكْمِيلُ الْأَحْكَامِ، وَلَا يَحْصُلُ مِنْ إعْتَاقِ نِصْفَيْنِ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ ; فَمِنْهُمْ مِنْ قَالَ كَقَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ كَقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنْ كَانَ نِصْفُ الرَّقِيقِ حُرًّا، أَجْزَأَ ; لِأَنَّهُ يَحْصُلُ تَكْمِيلُ الْأَحْكَامِ، وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا، لَمْ يَجُزْ ; لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ.
وَلَنَا، أَنَّ الْأَشْقَاصَ كَالْأَشْخَاصِ فِيمَا لَا يُمْنَعُ مِنْهُ الْعَيْبُ الْيَسِيرُ، دَلِيلُهُ الزَّكَاةُ، وَنَعْنِي بِهِ إذَا كَانَ لَهُ نِصْفُ ثَمَانِينَ شَاةً مُشَاعًا، وَجَبَتْ الزَّكَاةُ، كَمَا لَوْ مَلَكَ أَرْبَعِينَ مُنْفَرِدَةً، وَكَالْهَدَايَا وَالضَّحَايَا إذَا اشْتَرَكُوا فِيهَا.
وَالْأَوْلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ إعْتَاقُ نِصْفَيْنِ، إذَا لَمْ يَكُنْ الْبَاقِي بَيْنَهُمَا حُرًّا ; لِأَنَّ إطْلَاقَ الرَّقَبَةِ إنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَى إعْتَاقِ الْكَامِلَةِ، وَلَا يَحْصُلُ مِنْ الشِّقْصَيْنِ مَا يَحْصُلُ مِنْ الرَّقَبَةِ الْكَامِلَةِ مِنْ تَكْمِيلِ الْأَحْكَامِ، وَتَخْلِيصِ الْآدَمِيِّ مِنْ ضَرَرِ الرِّقِّ وَنَقْصِهِ، فَلَا يَثْبُتُ بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ مَا يَثْبُتُ بِإِعْتَاقِ رَقَبَةٍ كَامِلَةٍ، وَيَمْتَنِعُ قِيَاسُ الشِّقْصَيْنِ عَلَى الرَّقَبَةِ الْكَامِلَةِ، وَلِهَذَا لَوْ أَمَرَ إنْسَانًا بِشِرَاءِ رَقَبَةٍ أَوْ بَيْعِهَا، أَوْ بِإِهْدَاءِ حَيَوَانٍ أَوْ بِالصَّدَقَةِ بِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُشَقِّصَهُ، كَذَا هَاهُنَا.