فَصْلٌ: وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْيَسَارِ فِي هَذَا، أَنْ يَكُونَ لَهُ فَضْلٌ عَنْ قُوتِهِ، يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ، وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ مِنْ الْكِسْوَةِ، وَالْمَسْكَنِ، وَسَائِرِ مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، يَدْفَعُهُ إلَى شَرِيكِهِ. ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ، فِي"التَّنْبِيهِ". وَإِنْ وُجِدَ بَعْضُ مَا يَفِي بِالْقِيمَةِ، قُوِّمَ عَلَيْهِ قَدْرُ مَا يَمْلِكُهُ مِنْهُ. ذَكَرَهُ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا تُبَاعُ فِيهِ دَارٌ، وَلَا رِبَاعٌ. وَمُقْتَضَى هَذَا، أَنْ لَا يُبَاعَ لَهُ أَصْلُ مَالٍ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: يُبَاعُ عَلَيْهِ سِوَارُ بَيْتِهِ، وَمَا لَهُ بَالٌ مِنْ كِسْوَتِهِ، وَيُقْضَى عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مَا يَقْضِي عَلَيْهِ فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى. وَالْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ حَالُ تَلَفُّظِهِ بِالْعِتْقِ ; لِأَنَّهُ حَالُ الْوُجُوبِ، فَإِنْ أَيْسَرَ الْمُعْسِرُ بَعْدَ ذَلِكَ، لَمْ يَسْرِ إعْتَاقُهُ، وَإِنْ أَعْسَرِ الْمُوسِرُ، لَمْ يَسْقُطْ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِإِعْسَارِهِ، كَدَيْنِ الْإِتْلَافِ. نَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ.
(8582) فَصْلٌ: إذَا قَالَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ لِشَرِيكِهِ: إذَا أَعْتَقْت نَصِيبَك، فَنَصِيبِي حُرٌّ مَعَ نَصِيبِك. فَأَعْتَقَ نَصِيبَهُ، عَتَقَا مَعًا، وَلَمْ يَلْزَمْ الْمُعْتِقَ شَيْءٌ. وَقِيلَ: يَعْتِقُ كُلُّهُ عَلَى الْمُعْتِقِ ; لِأَنَّ إعْتَاقَ نَصِيبِهِ شَرْطُ عِتْقِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ سَابِقًا عَلَيْهِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَى شَرْطِهِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي إعْتَاقِ نَصِيبِهِ مَعَ نَصِيبِهِ، فَأَعْتَقَهُمَا مَعًا. وَإِنْ قَالَ: إذَا أَعْتَقْت نَصِيبَك، فَنَصِيبِي حُرٌّ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا أَعْتَقَ نَصِيبَهُ، سَرَى، وَعَتَقَ عَلَيْهِ كُلُّهُ، وَقُوِّمَ عَلَيْهِ، وَلَا يَقَعُ إعْتَاقُ شَرِيكِهِ ; لِأَنَّ السِّرَايَةَ، سَبَقَتْ، فَمَنَعَتْ عِتْقَ الشَّرِيكِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعْتِقَ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا ; لِأَنَّ عِتْقَ نَصِيبِهِ سَبَبٌ لِلسِّرَايَةِ، وَشَرْطٌ لِعِتْقِ نَصِيبِ الشَّرِيكِ، فَلَمْ يَسْبِقْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ ; لِوُجُودِهِمَا فِي حَالٍ وَاحِدٍ. وَقَدْ يُرَجَّحُ وُقُوعُ عِتْقِ الشَّرِيكِ ; لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مِنْهُ فِي مِلْكِهِ، وَالسِّرَايَةُ تَقَعُ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، فَكَانَ نُفُوذُ عِتْقِ الشَّرِيكِ أَوْلَى. وَلِأَنَّ سِرَايَةَ الْعِتْقِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ ; لِكَوْنِهَا إتْلَافًا لِمِلْكِ الْمَعْصُومِ بِغَيْرِ رِضَاهُ، وَإِلْزَامًا لِلْمُعْتِقِ غَرَامَةً لَمْ يَلْتَزِمْهَا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لِمَصْلَحَةِ تَكْمِيلِ الْعِتْقِ، فَإِذَا حَصَلَتْ هَذِهِ الْمَصْلَحَةُ بِإِعْتَاقِ الْمَالِكِ، كَانَ أَوْلَى. وَإِنْ قَالَ: إذَا أَعْتَقْت نَصِيبَك، فَنَصِيبِي حُرٌّ قَبْلَ إعْتَاقِكَ نَصِيبَك. وَقَعَا مَعًا، إذَا أَعْتَقَ نَصِيبَهُ. وَهَذَا مُقْتَضَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، وَالْقَاضِي. وَمُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ عَقِيلٍ أَنْ يَعْتِقَ كُلُّهُ عَلَى الْمُعْتِقِ، وَلَا يَقَعَ إعْتَاقُ شَرِيكِهِ ; لِأَنَّهُ أَعْتَقَ فِي زَمَنٍ مَاضٍ.
وَمُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ سُرَيْجٍ وَمَنْ وَافَقَهُ، مِمَّنْ قَالَ بِسِرَايَةِ الْعِتْقِ، أَنْ لَا يَصِحَّ إعْتَاقُهُ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ عِتْقِهِ نَصِيبَهُ تَقَدُّمُ عِتْقِ الشَّرِيكِ وَسِرَايَتُهُ، فَيَمْتَنِعُ إعْتَاقُ نَصِيبِ هَذَا، وَيَمْتَنِعُ عِتْقُ نَصِيبِ الشَّرِيكِ، وَيُفْضِي إلَى الدَّوْرِ، فَيَمْتَنِعُ الْجَمِيعُ. وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي هَذَا فِي مَسَائِلِ الطَّلَاقِ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(8583) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ أَعْتَقَهُ الْأَوَّلُ وَهُوَ مُعْسِرٌ، وَأَعْتَقَهُ الثَّانِي وَهُوَ مُوسِرٌ، عَتَقَ عَلَيْهِ نَصِيبُهُ وَنَصِيبُ شَرِيكِهِ، وَكَانَ ثُلُثُ وَلَائِهِ لِلْمُعْتِقِ الْأَوَّلِ، وَثُلُثَاهُ لِلْمُعْتِقِ الثَّانِي)
ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمُعْسِرَ إذَا أَعْتَقَ نَصِيبَهُ مِنْ الْعَبْدِ، اسْتَقَرَّ فِيهِ الْعِتْقُ، وَلَمْ يَسْرِ إلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ، بَلْ يَبْقَى عَلَى الرِّقِّ، فَإِذَا أَعْتَقَ الثَّانِي نَصِيبَهُ، وَهُوَ مُوسِرٌ، عَتَقَ عَلَيْهِ جَمِيعُ مَا بَقِيَ مِنْهُ ; نَصِيبُهُ بِالْمُيَاسَرَةِ، وَنَصِيبُ شَرِيكِهِ الثَّالِثِ بِالسِّرَايَةِ، وَصَارَ لَهُ ثُلُثَا وَلَائِهِ، وَلِلْأَوَّلِ ثُلُثُهُ. وَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَدَاوُد،