فهرس الكتاب

الصفحة 3695 من 3896

وَإِنْ قَالَا جَمِيعًا: أَخْطَأْنَا. فَعَلَيْهِمَا الدِّيَةُ مُخَفَّفَةً فِي أَمْوَالِهِمَا ; لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ الِاعْتِرَافَ. وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: عَمَدْنَا مَعًا.

وَقَالَ الْآخَرُ: أَخْطَأْنَا مَعًا. فَعَلَى الْأَوَّلِ الْقِصَاصُ، وَعَلَى الثَّانِي نِصْفُ دِيَةٍ مُخَفَّفَةٍ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُؤَاخَذُ بِحُكْمِ إقْرَارِهِ. وَإِنْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: عَمَدْت، وَلَا أَدْرِي مَا فَعَلَ صَاحِبِي فَعَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ ; لِإِقْرَارِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْعَمْدِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ عَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ ; لِأَنَّ إقْرَارَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوْ انْفَرَدَ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ، وَإِنَّمَا يُؤَاخَذُ الْإِنْسَانُ بِإِقْرَارِهِ، لَا بِإِقْرَارِ صَاحِبِهِ.

وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: عَمَدْت، وَلَا أَدْرِي مَا قَصَدَ صَاحِبِي. سُئِلَ صَاحِبُهُ، فَإِذَا قَالَ: عَمَدْت، وَلَا أَدْرِي مَا قَصَدَ صَاحِبِي فَهِيَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا. وَإِنْ قَالَ: عَمَدْنَا. فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَفِي الْأَوَّلِ وَجْهَانِ. وَإِنْ قَالَ: أَخْطَأْت، أَوْ أَخْطَأْنَا. فَلَا قِصَاصَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَإِنْ جُهِلَ حَالُ الْآخَرِ، بِأَنْ يُجَنَّ، أَوْ يَمُوتَ، أَوْ لَا يُقْدَرَ عَلَيْهِ، فَلَا قِصَاصَ عَلَى الْمُقِرِّ، وَعَلَيْهِ نَصِيبُهُ مِنْ الدِّيَةِ الْمُغَلَّظَةِ.

(8455) فَصْلٌ: وَإِنْ رَجَعَ أَحَدُ الشَّاهِدِينَ وَحْدَهُ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي رُجُوعِهِمَا، فِي أَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَحْكُمُ بِشَهَادَتِهِمَا، إذَا كَانَ رُجُوعُهُ قَبْلَ الْحُكْمِ، وَفِي أَنَّهُ لَا يَسْتَوْفِي الْعُقُوبَةَ إذَا رَجَعَ قَبْلَ اسْتِيفَائِهَا ; لِأَنَّ الشَّرْطَ يَخْتَلُّ بِرُجُوعِهِ، كَاخْتِلَالِهِ بِرُجُوعِهِمَا. وَإِنْ كَانَ رُجُوعُهُ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ، لَزِمَهُ حُكْمُ إقْرَارِهِ وَحْدَهُ، فَإِنْ أَقَرَّ بِمَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ، وَجَبَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَقَرَّ بِمَا يُوجِبُ دِيَةً مُغَلَّظَةً، وَجَبَ عَلَيْهِ قِسْطُهُ مِنْهَا، وَإِنْ أَقَرَّ بِالْخَطَأِ، وَجَبَ عَلَيْهِ نَصِيبُهُ مِنْ الدِّيَةِ الْمُخَفَّفَةِ. وَإِنْ كَانَ الشُّهُودُ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْنِ فِي الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ، أَوْ الْقِصَاصِ، وَنَحْوِهِ، فَمَا ثَبَتَ بِشَاهِدَيْنِ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةٍ، فَرَجَعَ الزَّائِدُ مِنْهُمْ قَبْلَ الْحُكْمِ وَالِاسْتِيفَاءِ، لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ الْحُكْمَ وَلَا الِاسْتِيفَاءَ ; لِأَنَّ مَا بَقِيَ مِنْ الْبَيِّنَةِ كَافٍ فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ وَاسْتِيفَائِهِ. وَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ إنْ أَقَرَّ بِمَا يُوجِبُهُ، أَوْ قِسْطُهُ مِنْ الدِّيَةِ، أَوْ مِنْ الْمُفَوِّتِ بِشَهَادَتِهِمْ إنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ. وَفِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ سَنَذْكُرُهُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(8456) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ كَانَتْ شَهَادَتُهُمَا بِمَالٍ، غَرِمَاهُ، وَلَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَالُ قَائِمًا أَوْ تَالِفًا)

أَمَّا كَوْنُهُ لَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ بِهِ فَلَا نَعْلَمُ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا، سِوَى مَا حَكَيْنَاهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَقَدْ ذَكَرْنَا الْكَلَامَ مَعَهُمَا فِيمَا مَضَى. فَأَمَّا الرُّجُوعُ بِهِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ، فَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ; مِنْهُمْ مَالِكٌ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْقَدِيمُ، وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِمَا بِشَيْءٍ، إلَّا أَنْ يَشْهَدَا بِعِتْقِ عَبْدٍ فَيَضْمَنَا قِيمَتَهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُمَا إتْلَافٌ لِلْمَالِ، وَلَا يَدٌ عَادِيَةٌ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَضْمَنَا، كَمَا لَوْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُمَا.

وَلَنَا، أَنَّهُمَا أَخْرَجَا مَالَهُ مِنْ يَدِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَحَالَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، فَلَزِمَهُمَا الضَّمَانُ، كَمَا لَوْ شَهِدَا بِعِتْقِهِ، وَلِأَنَّهُمَا أَزَالَا يَدَ السَّيِّدِ عَنْ عَبْدِهِ بِشَهَادَتِهِمَا الْمَرْجُوعِ عَنْهَا فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَهِدَا بِحُرِّيَّتِهِ ; وَلِأَنَّهُمَا تَسَبَّبَا إلَى إتْلَافِ حَقِّهِ بِشَهَادَتِهِمَا بِالزُّورِ عَلَيْهِ، فَلَزِمَهُمَا الضَّمَانُ، كَشَاهِدَيْ الْقِصَاصِ. يُحَقِّقُ هَذَا، أَنَّهُ إذَا أَلْزَمَهُمَا الْقِصَاصَ الَّذِي يُدْرَأُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت