وَالْأَوْزَاعِيِّ، أَنَّهُمَا قَالَا: يُنْقَضُ الْحُكْمُ، وَإِنْ اُسْتُوْفِيَ الْحَقُّ ثَبَتَ بِشَهَادَتِهِمَا، فَإِذَا رَجَعَا، زَالَ مَا ثَبَتَ بِهِ الْحُكْمُ، فَنُقِضَ الْحُكْمُ، كَمَا لَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُمَا كَانَا كَافِرَيْنِ.
وَلَنَا، أَنَّ حَقَّ الْمَشْهُودِ لَهُ وَجَبَ لَهُ، فَلَا يَسْقُطُ بِقَوْلِهِمَا، كَمَا لَوْ ادَّعَيَاهُ لَأَنْفُسِهِمَا، يُحَقِّقُ هَذَا أَنَّ حَقَّ الْإِنْسَانِ لَا يَزُولُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ، وَرُجُوعُهُمَا لَيْسَ بِشَهَادَةٍ، وَلِهَذَا لَا يَفْتَقِرُ إلَى لَفْظِ الشَّهَادَةِ، وَلَا هُوَ إقْرَارٌ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ. وَفَارَقَ مَا إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُمَا كَانَا كَافِرَيْنِ ; لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُ الْحُكْمِ، وَهُوَ شَهَادَةُ الْعُدُولِ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا لَمْ يَتَبَيَّنْ ذَلِكَ ; بِجَوَازِ أَنْ يَكُونَا عَدْلَيْنِ صَادِقَيْنِ فِي شَهَادَتِهِمَا، وَإِنَّمَا كَذَبَا فِي رُجُوعِهِمَا، وَيُفَارِقُ الْعُقُوبَاتِ، حَيْثُ لَا تُسْتَوْفَى ; فَإِنَّهَا تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ.
الْحَالُ الثَّالِثُ، أَنْ يَرْجِعَا بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ ; فَإِنَّهُ لَا يَبْطُلُ الْحُكْمُ، وَلَا يَلْزَمُ الْمَشْهُودَ لَهُ شَيْءٌ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَشْهُودُ بِهِ مَالًا أَوْ عُقُوبَةً ; لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ تَمَّ بِاسْتِيفَاءِ الْمَحْكُومِ بِهِ، وَوُصُولِ الْحَقِّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ، ثُمَّ يُنْظَرُ ; فَإِنْ كَانَ الْمَشْهُودُ بِهِ إتْلَافًا فِي مِثْلِهِ الْقِصَاصُ، كَالْقَتْلِ وَالْجَرْحِ، نَظَرْنَا فِي رُجُوعِهِمَا، فَإِنْ قَالَا: عَمَدْنَا الشَّهَادَةَ عَلَيْهِ بِالزُّورِ ; لِيُقْتَلَ أَوْ يُقْطَعَ. فَعَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ. وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا قَوَدَ عَلَيْهِمَا ; لِأَنَّهُمَا لَمْ يُبَاشِرَا الْإِتْلَافَ، فَأَشْبَهَا حَافِرَ الْبِئْرِ، وَنَاصِبَ السِّكِّينِ، إذَا تَلِفَ بِهِمَا شَيْءٌ. وَلَنَا، أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ شَهِدَ عِنْدَهُ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ بِالسَّرِقَةِ، فَقَطَعَهُ، ثُمَّ عَادَا، فَقَالَا: أَخْطَأْنَا، لَيْسَ هَذَا هُوَ السَّارِقُ. فَقَالَ عَلِيٌّ: لَوْ عَلِمْت أَنَّكُمَا تَعَمَّدْتُمَا، لَقَطَعْتُكُمَا. وَلَا مُخَالِفَ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّهُمَا تَسَبَّبَا إلَى قَتْلِهِ أَوْ قَطْعِهِ، بِمَا يُفْضِي إلَيْهِ غَالِبًا، فَلَزِمَهُمَا الْقِصَاصُ، كَالْمُكْرَهِ، وَفَارَقَ الْحَفْرَ وَنَصْبَ السِّكِّينِ، فَإِنَّهُ لَا يُفْضِي إلَى الْقَتْلِ غَالِبًا.
وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الْقِصَاصِ. فَأَمَّا إنْ قَالَا: عَمَدْنَا الشَّهَادَةَ عَلَيْهِ، وَلَا نَعْلَمْ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهَذَا. وَكَانَا مِمَّنْ يَجُوزُ أَنْ يَجْهَلَا ذَلِكَ، وَجَبَتْ الدِّيَةُ فِي أَمْوَالِهِمَا مُغَلَّظَةً ; لِأَنَّهُ شِبْهُ عَمْدٍ، وَلَمْ تَحْمِلْهُ الْعَاقِلَةُ ; لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِاعْتِرَافِهِمَا، وَالْعَاقِلَةُ لَا تَحْمِلُ اعْتِرَافًا. وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا عَمَدْت قَتْلَهُ. وَقَالَ الْآخَرُ: أَخْطَأْت. فَعَلَى الْعَامِدِ نِصْفُ دِيَةٍ مُغَلَّظَةٍ، وَعَلَى الْآخَرِ نِصْفُ دِيَةٍ مُخَفَّفَةٍ، وَلَا قِصَاصَ، فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهُ قَتْلُ عَمْدٍ وَخَطَأٍ. وَإِنْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: عَمَدْت، وَأَخْطَأَ صَاحِبِي. احْتَمَلَ أَنْ يَجِبَ الْقِصَاصُ عَلَيْهِمَا ; لِاعْتِرَافِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعَمْدِ نَفْسِهِ.
وَاحْتَمَلَ وُجُوبَ الدِّيَةِ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إنَّمَا اعْتَرَفَ بِعَمْدٍ شَارَكَ فِيهِ مُخْطِئًا، وَهَذَا لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ، وَالْإِنْسَانُ إنَّمَا يُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِهِ، لَا بِإِقْرَارِ غَيْرِهِ. فَعَلَى هَذَا، يَجِبُ عَلَيْهِمَا دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ. وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: عَمَدْنَا جَمِيعًا. وَقَالَ الْآخَرُ: عَمَدْت، وَأَخْطَأَ صَاحِبِي. فَعَلَى الْأَوَّلِ الْقِصَاصُ، وَفِي الثَّانِي وَجْهَانِ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا.