فهرس الكتاب

الصفحة 694 من 3896

الزَّكَاةَ فِي الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ ؟ وَسَنَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(1731) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَتَرَاجَعُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ بِالْحِصَصِ)

قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْخُلَطَاءَ تُؤْخَذُ الصَّدَقَةُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، كَمَا تُؤْخَذُ مِنْ مَالِ الْوَاحِدِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ السَّاعِيَ يَأْخُذُ الْفَرْضَ مِنْ مَالِ أَيِّ الْخَلِيطَيْنِ شَاءَ، سَوَاءٌ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ، بِأَنْ تَكُونَ الْفَرِيضَةُ عَيْنًا وَاحِدَةً لَا يُمْكِنُ أَخْذُهَا مِنْ الْمَالَيْنِ جَمِيعًا، أَوْ لَا يَجِدَ فَرْضَهُمَا جَمِيعًا إلَّا فِي أَحَدِ الْمَالَيْنِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ مَالُ أَحَدِهِمَا صِحَاحًا كِبَارًا، وَمَالُ خَلِيطِهِ صِغَارًا أَوْ مِرَاضًا، فَإِنَّهُ تَجِبُ صَحِيحَةٌ كَبِيرَةٌ، أَوْ لَمْ تَدْعُ الْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ، بِأَنْ يَجِدَ فَرْضَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَالَيْنِ فِيهِ.

قَالَ أَحْمَدُ إنَّمَا يَجِيءُ الْمُصَدِّقُ فَيَجِدُ الْمَاشِيَةَ، فَيُصَدِّقُهَا، لَيْسَ يَجِيءُ فَيَقُولُ: أَيُّ شَيْءٍ لَك ؟ وَإِنَّمَا يُصَدِّقُ مَا يَجِدُهُ، وَالْخَلِيطُ قَدْ يَنْفَعُ وَقَدْ يَضُرُّ. قَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَا رَأَيْت مِسْكِينًا كَانَ لَهُ فِي غَنَمٍ شَاتَانِ، فَجَاءَ الْمُصَدِّقُ فَأَخَذَ إحْدَاهُمَا. وَالْوَجْهُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ، فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بِالسَّوِيَّةِ.} وَقَوْلُهُ {: لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ.} وَهُمَا خَشْيَتَانِ: خَشْيَةُ رَبِّ الْمَالِ مِنْ زِيَادَةِ الصَّدَقَةِ، وَخَشْيَةُ السَّاعِي مِنْ نُقْصَانِهَا.

فَلَيْسَ لِأَرْبَابِ الْأَمْوَالِ أَنْ يَجْمَعُوا أَمْوَالَهُمْ الْمُتَفَرِّقَةَ، الَّتِي كَانَ الْوَاجِبُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا شَاةً، لِيَقِلَّ الْوَاجِبُ فِيهَا، وَلَا أَنْ يُفَرِّقُوا أَمْوَالَهُمْ الْمُجْتَمِعَةَ، الَّتِي كَانَ فِيهَا بِاجْتِمَاعِهَا فَرْضٌ، لِيَسْقُطَ عَنْهَا بِتَفْرِقَتِهَا، وَلَيْسَ لِلسَّاعِي أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الْخُلَطَاءِ، لِتَكْثُرَ الزَّكَاةُ، وَلَا أَنْ يَجْمَعَهَا إذَا كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً لِتَجِبَ الزَّكَاةُ، وَلِأَنَّ الْمَالَيْنِ قَدْ صَارَا كَالْمَالِ الْوَاحِدِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ، فَكَذَلِكَ فِي إخْرَاجِهَا.

وَمَتَى أَخَذَ السَّاعِي الْفَرْضَ مِنْ مَالِ أَحَدِهِمَا، رَجَعَ عَلَى خَلِيطِهِ بِقَدْرِ قِيمَةِ حِصَّتِهِ مِنْ الْفَرْضِ، فَإِذَا كَانَ لَأَحَدِهِمَا ثُلُثُ الْمَالِ، وَلِلْآخَرِ ثُلُثَاهُ، فَأَخَذَ الْفَرْضَ مِنْ مَالِ صَاحِبِ الثُّلُثِ، رَجَعَ بِثُلُثَيْ قِيمَةِ الْمُخْرَجِ عَلَى صَاحِبِهِ. وَإِنْ أَخَذَهُ مِنْ الْآخَرِ، رَجَعَ عَلَى صَاحِبِ الثُّلُثِ بِثُلُثِ قِيمَةِ الْمُخْرَجِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْجُوعِ عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ إذَا اخْتَلَفَا، وَعَدِمَتْ الْبَيِّنَةُ ; لِأَنَّهُ غَارِمٌ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، كَالْغَاصِبِ إذَا اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الْمَغْصُوبِ بَعْدَ تَلَفِهِ.

(1732) فَصْلٌ: إذَا أَخَذَ السَّاعِي أَكْثَرَ مِنْ الْفَرْضِ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ، مِثْلُ أَنْ يَأْخُذَ شَاتَيْنِ مَكَانَ شَاةٍ، أَوْ يَأْخُذَ جَذَعَةً مَكَانَ حِقَّةٍ، لَمْ يَكُنْ لِلْمَأْخُوذِ مِنْهُ الرُّجُوعُ إلَّا بِقَدْرِ الْوَاجِبِ. وَإِنْ كَانَ بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ، مِثْلُ أَنْ يَأْخُذَ الصَّحِيحَةَ عَنْ الْمِرَاضِ، وَالْكَبِيرَةَ عَنْ الصِّغَارِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِالْحِصَّةِ مِنْهَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ، فَإِذَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى أَخْذِهِ، وَجَبَ عَلَيْهِ دَفْعُهُ إلَيْهِ، وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْفَرْضِ الْوَاجِبِ.

وَكَذَلِكَ إذَا أَخَذَ الْقِيمَةَ، رَجَعَ بِمَا يَخُصُّ شَرِيكَهُ مِنْهَا ; لِأَنَّهُ بِتَأْوِيلٍ.

(1733) فَصْلٌ: إذَا مَلَكَ رَجُلٌ أَرْبَعِينَ شَاةً فِي الْمُحَرَّمِ، وَأَرْبَعِينَ فِي صَفَرٍ، وَأَرْبَعِينَ فِي رَبِيعٍ، فَعَلَيْهِ فِي الْأَوَّلِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ شَاةٌ، فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الثَّانِي، فَعَلَى وَجْهَيْنِ ; أَحَدُهُمَا، لَا زَكَاةَ فِيهِ ; لِأَنَّ الْجَمِيعَ مِلْكُ وَاحِدٍ، فَلَمْ يَزِدْ فَرْضُهُ عَلَى شَاةٍ وَاحِدَةٍ، كَمَا لَوْ اتَّفَقَتْ أَحْوَالُهُ. وَالثَّانِي، فِيهِ الزَّكَاةُ ; لِأَنَّ الْأَوَّلَ اسْتَقَلَّ بِشَاةٍ، فَيَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الثَّانِي، وَهِيَ نِصْفُ شَاةٍ ; لِاخْتِلَاطِهَا بِالْأَرْبَعِينَ الْأُولَى مِنْ حِينِ مَلَكَهَا. وَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الثَّالِثِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ ; أَحَدُهُمَا لَا زَكَاةَ فِيهِ. وَالثَّانِي، فِيهِ الزَّكَاةُ، وَهُوَ ثُلُثُ شَاةٍ ; لِأَنَّهُ مَلَكَهُ مُخْتَلِطًا بِالثَّمَانِينَ الْمُتَقَدِّمَةِ.

وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهِ وَجْهًا ثَالِثًا، وَهُوَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت