لِصُعُوبَتِهِ عَلَيْهِ وَمَشَقَّتِهِ، لَا لِعَجْزِهِ. وَإِنْ صَارَ إلَى حَالٍ يَتَحَقَّقُ الْإِيَاسُ مِنْ نُطْقِهِ، لَمْ يُوثَقْ بِإِشَارَتِهِ ; لِأَنَّ الْمَرَضَ الَّذِي أَعْجَزَهُ عَنْ النُّطْقِ، لَمْ يَخْتَصَّ بِلِسَانِهِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَثَّرَ فِي عَقْلِهِ أَوْ فِي سَمْعِهِ، فَلَمْ يَدْرِ مَا قِيلَ لَهُ، بِخِلَافِ الْأَخْرَسِ، وَلِأَنَّ الْأَخْرَسَ قَدْ تَكَرَّرَتْ إشَارَتُهُ حَتَّى صَارَتْ عِنْدَ مَنْ يُعَاشِرُهُ كَالْيَقِينِ، وَمُمَاثِلَةَ النُّطْقِ، وَهَذَا لَمْ تَتَكَرَّرْ إشَارَتُهُ، فَلَعَلَّهُ لَمْ يُرْدِ الْإِقْرَارَ. إنَّمَا أَرَادَ الْإِنْكَارَ، أَوْ إسْكَاتَ مَنْ يَسْأَلُهُ، وَمَعَ هَذِهِ الْفُرُوقِ، لَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ.
(8489) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ ادَّعَى دَعْوَى، وَقَالَ: لَا بَيِّنَةَ لِي. ثُمَّ أَتَى بَعْدَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ، لَمْ تُقْبَلْ ; لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِبَيِّنَتِهِ)
وَبِهَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ: تُقْبَلُ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَنْسَى، أَوْ يَكُونَ الشَّاهِدَانِ سَمِعَا مِنْهُ، وَصَاحِبُ الْحَقِّ لَا يَعْلَمُ، فَلَا يَثْبُتُ بِذَلِكَ أَنَّهُ كَذَّبَ بَيِّنَتَهُ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: وَإِنْ كَانَ الْإِشْهَادُ أَمْرًا تَوَلَّاهُ بِنَفْسِهِ، لَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَتُهُ ; لِأَنَّهُ أَكْذَبَهَا، وَإِنْ كَانَ وَكِيلُهُ أَشْهَدَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، أَوْ شَهِدَ مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُشْهِدَهُمْ، سُمِعَتْ بَيِّنَتُهُ ; لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ فِي نَفْيِهِ إيَّاهَا. وَهَذَا الْقَوْلُ حَسَنٌ.
وَلَنَا، أَنَّهُ أَكْذَبِ بَيِّنَتَهُ، بِإِقْرَارِهِ أَنَّهُ لَا يَشْهَدُ لَهُ أَحَدٌ، فَإِذَا شَهِدَ لَهُ إنْسَانٌ، كَانَ تَكْذِيبًا لَهُ، وَيُفَارِقُ الشَّاهِدَ إذَا قَالَ: لَا شَهَادَةَ عِنْدِي. ثُمَّ قَالَ: كُنْت نَسِيَتْهَا. لِأَنَّ ذَلِكَ إقْرَارٌ لِغَيْرِهِ بَعْدَ الْإِنْكَارِ، وَهَا هُنَا هُوَ مُقِرٌّ لِخَصْمِهِ بِعَدَمِ الْبَيِّنَةِ، فَلَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ عَنْهُ. وَالْحُكْمُ فِي مَا إذَا قَالَ: كُلُّ بَيِّنَةَ لِي زُورٌ. كَالْحُكْمِ فِيمَا إذَا قَالَ: لَا بَيِّنَةَ لِي. عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخِلَافِ فِيهِ.
(8490) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: مَا أَعْلَمُ لِي بَيِّنَةً. ثُمَّ أَتَى بِبَيِّنَةٍ، سُمِعَتْ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ لَمْ يَعْلَمْهَا، ثُمَّ عَلِمَهَا. قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَلَوْ قَالَ: مَا أَعْلَمُ لِي بَيِّنَةً. فَقَالَ شَاهِدَانِ: نَحْنُ نَشْهَدُ لَك. سُمِعَتْ بَيِّنَتُهُ.
(8491) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا شَهِدَ الْوَصِيُّ عَلَى مَنْ هُوَ مُوصًى عَلَيْهِمْ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ. وَإِنْ شَهِدَ، لَهُمْ، لَمْ يُقْبَلْ إذَا كَانُوا فِي حِجْرِهِ)
أَمَّا شَهَادَتُهُ عَلَيْهِمْ، فَمَقْبُولَةٌ. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، فَإِنَّهُ لَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَجُرُّ بِشَهَادَتِهِ عَلَيْهِمْ نَفْعًا، وَلَا يَدْفَعُ عَنْهُمْ بِهَا ضَرَرًا. وَأَمَّا شَهَادَتُهُ لَهُمْ إذَا كَانُوا فِي حِجْرِهِ، فَغَيْرُ مَقْبُولَةٍ. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ; مِنْهُمْ الشَّعْبِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَأَجَازَ شُرَيْحٌ وَأَبُو ثَوْرٍ شَهَادَتَهُ لَهُمْ، إذَا كَانَ الْخَصْمُ غَيْرَهُ ; لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ مِنْهُمْ، فَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ لَهُمْ، كَمَا بَعْدَ زَوَالِ الْوَصِيَّةِ.
وَلَنَا أَنَّهُ شَهِدَ بِشَيْءٍ هُوَ خَصْمٌ فِيهِ، فَإِنَّهُ الَّذِي يُطَالِبُ بِحُقُوقِهِمْ، وَيُخَاصِمُ فِيهَا، وَيَتَصَرَّفُ فِيهَا، فَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ، كَمَا لَوْ شَهِدَ بِمَالٍ نَفْسِهِ، وَلِأَنَّهُ يَأْخُذ مِنْ مَالِهِمْ عِنْدَ الْحَاجَةِ. فَيَكُونُ مُتَّهَمًا فِي الشَّهَادَةِ بِهِ. فَأَمَّا قَوْلُهُ: إذَا كَانُوا فِي حِجْرِهِ. فَإِنَّهُ يَعْنِي أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ لَهُمْ بَعْدَ زَوَالِ وِلَايَتِهِ عَنْهُمْ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ ; لِزَوَالِ الْمَعْنَى الَّذِي مَنَعَ قَبُولَهَا. وَالْحُكْمُ فِي أَمِينِ الْحَاكِمِ يَشْهَدُ لِلْأَيْتَامِ الَّذِينَ هُمْ تَحْتَ وِلَايَتِهِ، كَالْحُكْمِ فِي الْوَصِيِّ، سَوَاءً.
(8492) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا شَهِدَ مَنْ يُخْنَقُ فِي الْأَحْيَانِ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ فِي إفَاقَتِهِ)
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَمِمَّنْ حَفِظْنَا عَنْهُ ذَلِكَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ