وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ.
وَرَوَى الْخَلَّالُ عَنْ الصَّلْتِ بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَشَرَةً مِنْ الْفُقَهَاءِ عَنْ الْمُظَاهِرِ يُجَامِعُ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ ؟ قَالُوا: لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَبَكْرُ الْمُزَنِيّ، وَمُوَرِّقُ الْعِجْلِيّ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَقَتَادَةُ، وَقَالَ وَكِيعٌ: وَأَظُنُّ الْعَاشِرَ نَافِعًا. وَحُكِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ عَلَيْهِ كَفَّارَتَيْنِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَبِيصَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ ; لِأَنَّ الْوَطْءَ يُوجِبُ كَفَّارَةً، وَالظِّهَارُ مُوجِبٌ لِلْأُخْرَى. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَثْبُتُ الْكَفَّارَةُ فِي ذِمَّتِهِ، وَإِنَّمَا هِيَ شَرْطٌ لِلْإِبَاحَةِ بَعْدَ الْوَطْءِ. كَمَا كَانَتْ قَبْلَهُ.
وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَسْقُطُ ; لِأَنَّهُ فَاتَ وَقْتهَا ; لِكَوْنِهَا وَجَبَتْ قَبْلَ الْمَسِيسِ. وَلَنَا حَدِيثُ {سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ حِينَ ظَاهَرَ ثُمَّ وَطِئَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ} . وَلِأَنَّهُ وُجِدَ الظِّهَارُ وَالْعَوْدُ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} . فَأَمَّا قَوْلُهُمْ: فَاتَ وَقْتُهَا. فَيَبْطُلُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَبِالصَّلَاةِ، وَسَائِرُ الْعِبَادَاتِ يَجِبُ قَضَاؤُهَا بَعْدَ فَوَاتِ وَقْتِهَا.
(6226) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَإِذَا قَالَتْ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي. لَمْ تَكُنْ مُظَاهِرَةً، وَلَزِمَتْهَا كَفَّارَةُ الظِّهَارِ)
لِأَنَّهَا قَدْ أَتَتْ بِالْمُنْكَرِ مِنْ الْقَوْلِ وَالزُّورِ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا قَالَتْ لِزَوْجِهَا: أَنْتَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي. أَوْ قَالَتْ: إنْ تَزَوَّجْت فُلَانًا، فَهُوَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي. فَلَيْسَ ذَلِكَ بِظِهَارٍ. قَالَ الْقَاضِي: لَا تَكُونُ مُظَاهِرَةً، رِوَايَةً وَاحِدَةً. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ; مِنْهُمْ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: هُوَ ظِهَارٌ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ، إلَّا أَنَّ النَّخَعِيّ قَالَ: إذَا قَالَتْ ذَلِكَ بَعْدَمَا تَزَوَّجَ، فَلَيْسَ بِشَيْءِ. وَلَعَلَّهمْ يَحْتَجُّونَ بِأَنَّهَا أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ ظَاهَرَ مِنْ الْآخَرِ، فَكَانَ مُظَاهِرًا كَالرَّجُلِ.
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} . فَخَصَّهُمْ بِذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ يُوجِبُ تَحْرِيمًا فِي الزَّوْجَةِ، يَمْلِكُ الزَّوْجُ رَفْعَهُ، فَاخْتَصَّ بِهِ الرَّجُلُ، كَالطَّلَاقِ، وَلِأَنَّ الْحِلَّ فِي الْمَرْأَةِ حَقٌّ لِلرَّجُلِ، فَلَمْ تَمْلِكْ الْمَرْأَةُ إزَالَتَهُ، كَسَائِرِ حُقُوقِهِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَاخْتُلِفَ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْكَفَّارَةِ، فَنَقَلَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ: عَلَيْهَا كَفَّارَةُ الظِّهَارِ. لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ إبْرَاهِيمَ، أَنَّ عَائِشَةَ بِنْتَ طَلْحَةَ قَالَتْ: إنْ تَزَوَّجْت مُصْعَبَ بْنَ الزُّبَيْرِ، فَهُوَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي. فَسَأَلَتْ أَهْلَ الْمَدِينَةِ، فَرَأَوْا أَنَّ عَلَيْهَا الْكَفَّارَةَ. وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ الشَّيْبَانِيِّ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ، أَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيّ، فَجَاءَ رَجُلٌ حَتَّى جَلَسَ إلَيْنَا، فَسَأَلْتُهُ مَنْ أَنْتَ ؟ فَقَالَ: أَنَا مَوْلًى لِعَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، الَّتِي أَعْتَقَتْنِي عَنْ ظِهَارِهَا، خَطَبَهَا مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ، فَقَالَتْ: هُوَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي إنْ تَزَوَّجْتُهُ. ثُمَّ رَغِبَتْ فِيهِ بَعْدُ، فَاسْتَفْتَتْ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ يَوْمئِذٍ كَثِيرٌ، فَأَمَرُوهَا أَنْ تَعْتِقَ رَقَبَةً وَتَتَزَوَّجَهُ، فَأَعْتَقَتْنِي وَتَزَوَّجَتْهُ.
وَرَوَى سَعِيدٌ هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ مُخْتَصَرَيْنِ، وَلِأَنَّهَا زَوْجٌ أَتَى بِالْمُنْكَرِ مِنْ الْقَوْلِ وَالزُّورِ، فَلَزِمَهُ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ كَالْآخَرِ، وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، فَاسْتَوَى فِيهَا الزَّوْجَانِ، كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى.