فهرس الكتاب

الصفحة 540 من 3896

الْعُذْرِ. قُلْنَا: أَمَّا الْمَرْأَةُ فَمَعْلُومٌ بَقَاءُ عُذْرِهَا، وَأَمَّا غَيْرُهَا فَالظَّاهِرُ بَقَاءُ عُذْرِهِ، وَالْأَصْلُ اسْتِمْرَارُهُ، فَأَشْبَهَ الْمُتَيَمِّمَ إذَا صَلَّى فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَالْمَرِيضَ إذَا صَلَّى جَالِسًا، إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إنْ صَلَّاهَا، ثُمَّ سَعَى إلَى الْجُمُعَةِ، لَمْ تَبْطُلْ ظُهْرُهُ، وَكَانَتْ الْجُمُعَةُ نَفْلًا فِي حَقِّهِ، سَوَاءٌ زَالَ عُذْرُهُ أَوْ لَمْ يَزُلْ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَبْطُلُ ظُهْرُهُ بِالسَّعْيِ إلَيْهَا، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا. وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو الْعَالِيَةِ، قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الصَّامِتِ، فَقُلْتُ: نُصَلِّي يَوْمَ الْجُمُعَةِ خَلْفَ أُمَرَاءَ فَيُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ ؟ فَقَالَ: سَأَلْتُ أَبَا ذَرٍّ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: {صَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، وَاجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ نَافِلَةً.} وَفِي لَفْظٍ: {فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ، فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ} .

وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ صَحِيحَةٌ أَسْقَطَتْ فَرْضَهُ، وَأَبْرَأَتْ ذِمَّتَهُ، فَأَشْبَهَتْ مَا لَوْ صَلَّى الظُّهْرَ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ سَعَى إلَى الْجَمَاعَةِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يُصَلُّوا إلَّا بَعْدَ صَلَاةِ الْإِمَامِ ; لِيَخْرُجُوا مِنْ الْخِلَافِ، وَلِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ زَوَالُ أَعْذَارِهِمْ، فَيُدْرِكُونَ الْجُمُعَةَ. (1362)

فَصْلٌ: وَلَا يُكْرَهُ لِمَنْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ، أَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ فَرْضِهَا، أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ فِي جَمَاعَةٍ إذَا أَمِنَ أَنْ يُنْسَبَ إلَى مُخَالَفَةِ الْإِمَامِ، وَالرَّغْبَةِ عَنْ الصَّلَاةِ مَعَهُ، أَوْ أَنَّهُ يَرَى الْإِعَادَةَ إذَا صَلَّى مَعَهُ. فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَأَبُو ذَرٍّ، وَالْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَإِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَعْمَشِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ.

وَكَرِهَهُ الْحَسَنُ، وَأَبُو قِلَابَةَ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، لِأَنَّ زَمَنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَخْلُ مِنْ مَعْذُورِينَ، فَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُمْ صَلَّوْا جَمَاعَةً. وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً} وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ، فَصَلَّى بِعَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ

وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَفَعَلَهُ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ وَمُطَرِّفٌ، وَإِبْرَاهِيمُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: مَا أَعْجَبَ النَّاسَ يُنْكِرُونَ هَذَا، فَأَمَّا زَمَنُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُنْقَلْ إلَيْنَا أَنَّهُ اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ مَعْذُورُونَ يَحْتَاجُونَ إلَى إقَامَةِ الْجَمَاعَةِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ إعَادَتُهَا جَمَاعَةً فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا فِي مَسْجِدٍ تُكْرَهُ إعَادَةُ الْجَمَاعَةِ فِيهِ.

وَتُكْرَهُ أَيْضًا فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي أُقِيمَتْ فِيهِ الْجُمُعَةُ ; لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى النِّسْبَةِ إلَى الرَّغْبَةِ عَنْ الْجُمُعَةِ، أَوْ أَنَّهُ لَا يَرَى الصَّلَاةَ خَلْفَ الْإِمَامِ، أَوْ يُعِيدُ الصَّلَاةَ مَعَهُ فِيهِ، وَفِيهِ افْتِيَاتٌ عَلَى الْإِمَامِ، وَرُبَّمَا أَفْضَى إلَى فِتْنَةٍ، أَوْ لِخَوْفِ ضَرَرٍ بِهِ وَبِغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يُصَلِّيهَا فِي مَنْزِلِهِ، أَوْ مَوْضِعٍ لَا تَحْصُلُ هَذِهِ الْمَفْسَدَةُ بِصَلَاتِهَا فِيهِ.

(1363) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ أَنْ يَغْتَسِلَ، وَيَلْبَسَ ثَوْبَيْنِ نَظِيفَيْنِ، وَيَتَطَيَّبَ)

لَا خِلَافَ فِي اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ، وَفِيهِ آثَارٌ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ، مِنْهَا مَا رَوَى سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ، فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إذَا تَكَلَّمَ الْإِمَامُ، إلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى} . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: الْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ. وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَقِيلَ: إنَّ هَذَا إجْمَاعٌ.

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا عَلَى أَنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَاجِبٍ. وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ وَقَاوَلَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ رَجُلًا، فَقَالَ عَمَّارٌ: أَنَا إذًا أَشَرُّ مِمَّنْ لَا يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَوَجْهُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت