وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَعَلَى قَوْلِنَا إنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ، مَتَى صَلَّى فِي الْوَقْتِ، ثُمَّ بَلَغَ فِيهِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا، وَفِي أَثْنَائِهَا، فَعَلَيْهِ إعَادَتُهَا. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُجْزِئُهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ إعَادَتُهَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ ; لِأَنَّهُ أَدَّى وَظِيفَةَ الْوَقْتِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ إعَادَتُهَا، كَالْبَالِغِ. وَلَنَا، أَنَّهُ صَلَّى قَبْلَ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ، وَقَبْلَ سَبَبِ وُجُوبِهَا، فَلَمْ تَجْزِهِ عَمَّا وُجِدَ سَبَبُ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ صَلَّى قَبْلَ الْوَقْتِ، وَلِأَنَّهُ صَلَّى نَافِلَةً، فَلَمْ تَجْزِهِ عَنْ الْوَاجِبِ، كَمَا لَوْ نَوَى نَفْلًا، وَلِأَنَّهُ بَلَغَ فِي وَقْتِ الْعِبَادَةِ وَبَعْدَ فِعْلِهَا، فَلَزِمَتْهُ إعَادَتُهَا كَالْحَجِّ، وَوَظِيفَةُ الْوَقْتِ فِي حَقِّ الْبَالِغِ ظُهْرًا وَاجِبَةٌ، وَلَمْ يَأْتِ بِهَا.
(549) فَصْلٌ: وَالْمَجْنُونُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، وَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا تَرَكَ فِي حَالِ جُنُونِهِ، إلَّا أَنْ يُفِيقَ وَقْتَ الصَّلَاةِ، فَيَصِيرَ كَالصَّبِيِّ يَبْلُغُ. وَلَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ ; عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَشِبَّ، وَعَنْ الْمَعْتُوهِ حَتَّى يَعْقِلَ} . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَلِأَنَّ مُدَّتَهُ تَطُولُ غَالِبًا، فَوُجُوبُ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ يَشُقُّ، فَعُفِيَ عَنْهُ.
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ حُكْمُهُ حُكْمُ النَّائِمِ، لَا يَسْقُطُ عَنْهُ قَضَاءُ شَيْءٍ مِنْ الْوَاجِبَاتِ الَّتِي يَجِبُ قَضَاؤُهَا عَلَى النَّائِمِ ; كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الصَّلَاةِ إلَّا أَنْ يُفِيقَ فِي جُزْءٍ مِنْ وَقْتِهَا ; لِأَنَّ عَائِشَةَ {سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الرَّجُلِ يُغْمَى عَلَيْهِ، فَيَتْرُكُ الصَّلَاةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ قَضَاءٌ إلَّا أَنْ يُغْمَى عَلَيْهِ، فَيُفِيقَ فِي وَقْتِهَا، فَيُصَلِّيَهَا} . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ قَضَاهَا، وَإِنْ زَادَتْ سَقَطَ فَرْضُ الْقَضَاءِ فِي الْكُلِّ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَدْخُلُ فِي التَّكْرَارِ، فَأَسْقَطَ الْقَضَاءَ، كَالْجُنُونِ. وَلَنَا مَا رُوِيَ، أَنَّ عَمَّارًا غُشِيَ عَلَيْهِ أَيَّامًا لَا يُصَلِّي، ثُمَّ اسْتَفَاقَ بَعْدَ ثَلَاثٍ، فَقَالَ: هَلْ صَلَّيْتُ ؟ فَقِيلَ: مَا صَلَّيْتَ مُنْذُ ثَلَاثٍ. فَقَالَ: أَعْطُونِي وَضُوءًا، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ صَلَّى تِلْكَ اللَّيْلَةَ
وَرَوَى أَبُو مِجْلَزٍ، أَنَّ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ، قَالَ: الْمُغْمَى عَلَيْهِ - يَتْرُكُ الصَّلَاةَ، أَوْ فَيَتْرُكُ الصَّلَاةَ - يُصَلِّي مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ صَلَاةً مِثْلَهَا قَالَ: قَالَ عِمْرَانُ: زَعْمٌ، وَلَكِنْ لِيُصَلِّهِنَّ جَمِيعًا. وَرَوَى الْأَثْرَمُ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ فِي"سُنَنِهِ". وَهَذَا فِعْلُ الصَّحَابَةِ وَقَوْلُهُمْ، وَلَا نَعْرِفُ لَهُمْ مُخَالِفًا، فَكَانَ إجْمَاعًا. وَلِأَنَّ الْإِغْمَاءَ لَا يُسْقِطُ فَرْضَ الصِّيَامِ، وَلَا يُؤَثِّرُ فِي اسْتِحْقَاقِ الْوِلَايَةِ عَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ النَّوْمَ. فَأَمَّا حَدِيثُهُمْ فَبَاطِلٌ يَرْوِيهِ الْحَاكِمُ بْنُ سَعْدٍ، وَقَدْ نَهَى أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ، عَنْ حَدِيثِهِ، وَضَعَّفَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: تَرَكُوهُ. وَفِي إسْنَادِهِ خَارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ.
وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الْمَجْنُونِ ; لِأَنَّ الْمَجْنُونَ تَتَطَاوَلُ مُدَّتُهُ غَالِبًا، وَقَدْ رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ صِيَامٌ، وَلَا شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ، وَتَثْبُتُ الْوِلَايَةُ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ، وَالْإِغْمَاءُ بِخِلَافِهِ، وَمَا لَا يُؤَثِّرُ فِي إسْقَاطِ الْخَمْسِ لَا يُؤَثِّرُ فِي إسْقَاطِ الزَّائِدِ عَلَيْهَا، كَالنَّوْمِ.
(551) فَصْلٌ: وَمَنْ شَرِبَ دَوَاءً فَزَالَ عَقْلُهُ بِهِ نَظَرْتَ ; فَإِنْ كَانَ زَوَالًا لَا يَدُومُ كَثِيرًا، فَهُوَ كَالْإِغْمَاءِ، وَإِنْ كَانَ يَتَطَاوَلُ، فَهُوَ كَالْجُنُونِ. وَأَمَّا السُّكْرُ، وَمَنْ شَرِبَ مُحَرَّمًا يُزِيلُ عَقْلَهُ وَقْتًا دُونَ وَقْتٍ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِي إسْقَاطِ التَّكْلِيفِ