أَمَّا الصَّيْدُ فَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ، وَأَمَّا الذَّبِيحَةُ فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ، أَنَّهَا شَرْطٌ مَعَ الذِّكْرِ، وَتَسْقُطُ بِالسَّهْوِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَإِسْحَاقُ.
وَمِمَّنْ أَبَاحَ مَا نَسِيَتْ التَّسْمِيَةُ عَلَيْهِ، عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَرَبِيعَةُ، وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ فِي عَمْدٍ وَلَا سَهْوٍ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ; لِمَا ذَكَرْنَا فِي الصَّيْدِ قَالَ أَحْمَدُ: إنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} . يَعْنِي الْمَيْتَةَ.
وَذُكِرَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَلَنَا، قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَنْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ فَلَا بَأْسَ. وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ رَاشِدِ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {ذَبِيحَةُ الْمُسْلِمِ حَلَالٌ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ، إذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ} . وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا.
وقَوْله تَعَالَى {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} . مَحْمُولٌ عَلَى مَا تُرِكَتْ التَّسْمِيَةُ عَلَيْهِ عَمْدًا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} . وَالْأَكْلُ مِمَّا نُسِيَتْ التَّسْمِيَةُ عَلَيْهِ لَيْسَ بِفِسْقٍ. وَيُفَارِقُ الصَّيْدَ ; لِأَنَّ ذَبْحَهُ فِي غَيْرِ مَحَلٍّ، فَاعْتُبِرَتْ التَّسْمِيَةُ تَقْوِيَةً لَهُ، وَالذَّبِيحَةُ بِخِلَافِ ذَلِكَ.
(7743) فَصْلٌ: وَالتَّسْمِيَةُ عَلَى الذَّبِيحَةِ مُعْتَبَرَةٌ حَالَ الذَّبْحِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ، كَمَا تُعْتَبَرُ عَلَى الطَّهَارَةِ. وَإِنْ سَمَّى عَلَى شَاةٍ، ثُمَّ أَخَذَ أُخْرَى فَذَبَحَهَا بِتِلْكَ التَّسْمِيَةِ، لَمْ يَجُزْ، سَوَاءٌ أَرْسَلَ الْأُولَى أَوْ ذَبَحَهَا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الثَّانِيَةَ بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ.
وَإِنْ رَأَى قَطِيعًا مِنْ الْغَنَمِ، فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ. ثُمَّ أَخَذَ شَاةً فَذَبَحَهَا بِغَيْرِ تَسْمِيَةٍ، لَمْ يَحِلَّ. وَإِنْ جَهِلَ كَوْنَ ذَلِكَ لَا يُجْزِئُ، لَمْ يَجْرِ مَجْرَى النِّسْيَانِ ; لِأَنَّ النِّسْيَانَ يُسْقِطُ الْمُؤَاخَذَةَ، وَالْجَاهِلُ مُؤَاخَذٌ، وَلِذَلِكَ يُفْطِرُ الْجَاهِلُ بِالْأَكْلِ فِي الصَّوْمِ دُونَ النَّاسِي. وَإِنْ أَضْجَعَ شَاةً لِيَذْبَحَهَا، وَسَمَّى، ثُمَّ أَلْقَى السِّكِّينَ، وَأَخَذَ أُخْرَى، أَوْ رَدَّ سَلَامًا، أَوْ كَلَّمَ إنْسَانًا، أَوْ اسْتَسْقَى مَاءً، وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَذَبَحَ، حَلَّ، لِأَنَّهُ سَمَّى عَلَى تِلْكَ الشَّاةِ بِعَيْنِهَا، وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُمَا إلَّا بِفَصْلٍ يَسِيرٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَتَكَلَّمْ.
(7744) فَصْلٌ: وَإِنْ سَمَّى الصَّائِدُ عَلَى صَيْدٍ، فَأَصَابَ غَيْرَهُ، حَلَّ. وَإِنْ سَمَّى عَلَى سَهْمٍ ثُمَّ أَلْقَاهُ، وَأَخَذَ غَيْرَهُ فَرَمَى بِهِ، لَمْ يُبَحْ مَا صَادَهُ بِهِ ; لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُمْكِنْ اعْتِبَارُ التَّسْمِيَةِ عَلَى صَيْدٍ بِعَيْنِهِ، اُعْتُبِرَتْ عَلَى الْآلَةِ الَّتِي يَصِيدُ بِهَا، بِخِلَافِ الذَّبِيحَةِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُبَاحَ، قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ سَمَّى عَلَى سِكِّينٍ، ثُمَّ أَلْقَاهَا وَأَخَذَ غَيْرَهَا. وَسُقُوطُ اعْتِبَارِ تَعْيِينِ الصَّيْدِ لِمَشَقَّتِهِ، لَا يَقْتَضِي اعْتِبَارَ تَعْيِينِ الْآلَةِ، فَلَا يُعْتَبَرُ.
(7745) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا نَدَّ بَعِيرٌ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ أَوْ نَحْوِهِ، مِمَّا يَسِيلُ بِهِ دَمُهُ، فَقَتَلَهُ، أُكِلَ)
وَكَذَلِكَ إنْ تَرَدَّى فِي بِئْرٍ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَذْكِيَتِهِ، فَجَرَحَهُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ قَدَرَ عَلَيْهِ، فَقَتَلَهُ، أُكِلَ، إلَّا أَنْ تَكُونَ رَأْسُهُ