فهرس الكتاب

الصفحة 3111 من 3896

إقْرَارُهُ بِهِ كَالنَّاطِقِ، وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يُحَدُّ بِإِقْرَارٍ وَلَا بَيِّنَةٍ، لِأَنَّ الْإِشَارَةَ تَحْتَمِلُ مَا فُهِمَ مِنْهَا وَغَيْرُهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْحَدِّ لِكَوْنِهِ مِمَّا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، وَلَا يَجِبُ بِالْبَيِّنَةِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لَهُ شُبْهَةٌ لَا يُمْكِنُهُ التَّعْبِيرُ عَنْهَا وَلَا يُعْرَفُ كَوْنُهَا شُبْهَةً، وَيَحْتَمِلُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ أَنْ لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِإِقْرَارِهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَلِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَجِبُ مَعَ الشُّبْهَةِ، وَالْإِشَارَةُ لَا تَنْتَفِي مَعَهَا الشُّبُهَاتُ، فَأَمَّا الْبَيِّنَةُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ بِهَا الْحَدُّ لِأَنَّ قَوْلَهُ مَعَهَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ.

(7181) فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ مِنْ الْمُكْرَهِ، فَلَوْ ضُرِبَ الرَّجُلُ لِيُقِرَّ بِالزِّنَا، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ الزِّنَا. وَلَا نَعْلَمُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّ إقْرَارَ الْمُكْرَهِ لَا يَجِبُ بِهِ حَدٌّ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ الرَّجُلُ بِأَمِينٍ عَلَى نَفْسِهِ إذَا جَوَّعْتَهُ، أَوْ ضَرَبْتَهُ، أَوْ أَوْثَقْتَهُ. رَوَاهُ سَعِيدٌ. وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ فِي رَجُلٍ اعْتَرَفَ بَعْدَ جَلْدِهِ: لَيْسَ عَلَيْهِ حَدٌّ. وَلِأَنَّ الْإِقْرَارَ إنَّمَا ثَبَتَ بِهِ الْمُقَرُّ بِهِ ; لِوُجُودِ الدَّاعِي إلَى الصِّدْقِ، وَانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ عَنْهُ، فَإِنَّ الْعَاقِلَ لَا يُتَّهَمُ بِقَصْدِ الْإِضْرَارِ بِنَفْسِهِ، وَمَعَ الْإِكْرَاهِ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ قَصَدَ بِإِقْرَارِهِ دَفْعَ ضَرَرِ الْإِكْرَاهِ، فَانْتَفَى ظَنُّ الصِّدْقِ عَنْهُ، فَلَمْ يُقْبَلْ.

(7182) فَصْلٌ: فَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ وَطِئَ امْرَأَةً، وَادَّعَى أَنَّهَا امْرَأَتُهُ، وَأَنْكَرَتْ الْمَرْأَةُ أَنْ يَكُونَ زَوْجَهَا. نَظَرْنَا ; فَإِنْ لَمْ تُقِرَّ الْمَرْأَةُ بِوَطْئِهِ إيَّاهَا، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ بِالزِّنَا، وَلَا مَهْرَ لَهَا ; لِأَنَّهَا لَا تَدَّعِيهِ، وَإِنْ اعْتَرَفَتْ بِوَطْئِهِ إيَّاهَا، وَأَقَرَّتْ بِأَنَّهُ زَنَى بِهَا مُطَاوِعَةً، فَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَلَا حَدَّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، إلَّا أَنْ يُقِرَّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ; لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَجِبُ بِدُونِ أَرْبَعِ مَرَّاتٍ، وَإِنْ ادَّعَتْ أَنَّهُ أَكْرَهَهَا عَلَيْهِ، أَوْ اشْتَبَهَ عَلَيْهَا، فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ ; لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِسَبَبِهِ. فَقَدْ رَوَى مُهَنَّا، عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ رَجُلٍ وَطِئَ امْرَأَةً، وَزَعَمَ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ، وَأَنْكَرَتْ هِيَ أَنْ يَكُونَ زَوْجَهَا، وَأَقَرَّتْ بِالْوَطْءِ. قَالَ: فَهَذِهِ قَدْ أَقَرَّتْ عَلَى نَفْسِهَا بِالزِّنَا، وَلَكِنْ يُدْرَأُ عَنْهُ الْحَدُّ بِقَوْلِهِ: إنَّهَا امْرَأَتُهُ، وَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ، وَيُدْرَأُ عَنْهَا الْحَدُّ حَتَّى تَعْتَرِفَ مِرَارًا.

قَالَ أَحْمَدُ: وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ يَرَوْنَ عَلَيْهَا الْحَدَّ، يَذْهَبُونَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا} . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ.

(7183) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يَنْزِعُ عَنْ إقْرَارِهِ حَتَّى يَتِمَّ عَلَيْهِ الْحَدُّ)

وَجُمْلَتُهُ: إنَّ مِنْ شَرْطِ إقَامَةِ الْحَدِّ بِالْإِقْرَارِ، الْبَقَاءَ عَلَيْهِ إلَى تَمَامِ الْحَدِّ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ إقْرَارِهِ أَوْ هَرَبَ، كُفَّ عَنْهُ. وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ، وَيَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ، وَالزُّهْرِيُّ، وَحَمَّادٌ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ.

وَقَالَ الْحَسَنُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَلَا يُتْرَكُ ; لِأَنَّ مَاعِزًا هَرَبَ فَقَتَلُوهُ، وَلَمْ يَتْرُكُوهُ. وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: {رُدُّونِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ قَوْمِي هُمْ غَرُّونِي مِنْ نَفْسِي، وَأَخْبَرُونِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرُ قَاتِلِي. فَلَمْ يَنْزِعُوا عَنْهُ حَتَّى قَتَلُوهُ.} أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد. وَلَوْ قُبِلَ رُجُوعُهُ، لَلَزِمَتْهُمْ دِيَتُهُ ; وَلِأَنَّهُ حَقٌّ وَجَبَ بِإِقْرَارِهِ، فَلَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ. وَحُكِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ، أَنَّهُ إنْ رَجَعَ حُدَّ لِلْفِرْيَةِ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ رَجَعَ عَنْ السَّرِقَةِ وَالشُّرْبِ، ضُرِبَ دُونَ الْحَدِّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت