فَصْلٌ: فَإِنْ نَوَى صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ عَنْ الْكَفَّارَةِ، لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ رَمَضَانَ، وَلَا عَنْ الْكَفَّارَةِ، وَانْقَطَعَ التَّتَابُعُ، حَاضِرًا كَانَ أَوْ مُسَافِرًا ; لِأَنَّهُ تَخَلَّلَ صَوْمَ الْكَفَّارَةِ فِطْرٌ غَيْرُ مَشْرُوعٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَطَاوُسٌ: يُجْزِئُهُ عَنْهُمَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ كَانَ حَاضِرًا، أَجْزَأَهُ عَنْ رَمَضَانَ دُونَ الْكَفَّارَةِ ; لِأَنَّ تَعْيِينَ النِّيَّةِ غَيْرُ مُشْتَرَطٍ لِرَمَضَانَ، وَإِنْ كَانَ فِي سَفَرٍ، أَجْزَأَهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ دُونَ رَمَضَانَ. وَقَالَ صَاحِبَاهُ: يُجْزِئُ عَنْ رَمَضَانَ دُونَ الْكَفَّارَةِ، سَفَرًا وَحَضَرًا. وَلَنَا، أَنَّ رَمَضَانَ مُتَعَيِّنٌ لِصَوْمِهِ، مُحَرَّمٌ صَوْمُهُ عَنْ غَيْرِهِ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ غَيْرِهِ، كَيَوْمَيْ الْعِيدَيْنِ، وَلَا يُجْزِئُ عَنْ رَمَضَانَ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى} . وَهَذَا مَا نَوَى رَمَضَانَ، فَلَا يُجْزِئُهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ ; لِأَنَّ الزَّمَانَ مُتَعَيَّنٌ، وَإِنَّمَا جَازَ فِطْرُهُ فِي السَّفَرِ رُخْصَةً، فَإِذَا تَكَلَّفَ وَصَامَ، رَجَعَ إلَى الْأَصْلِ.
فَإِنْ سَافَرَ فِي رَمَضَانَ الْمُتَخَلِّلِ لِصَوْمِ الْكَفَّارَةِ وَأُفْطِرَ، لَمْ يَنْقَطِعْ التَّتَابُعُ ; لِأَنَّهُ زَمَنٌ لَا يَسْتَحِقُّ صَوْمَهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ، فَلَمْ يَنْقَطِعْ التَّتَابُعُ بِفِطْرِهِ كَاللَّيْلِ.
(6221) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَإِذَا كَانَ الْمُظَاهِرُ عَبْدًا، لَمْ يُكَفِّرْ إلَّا بِالصِّيَامِ، وَإِذَا صَامَ، فَلَا يُجْزِئُهُ إلَّا شَهْرَانِ مُتَتَابِعَانِ)
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ ظِهَارَ الْعَبْدِ صَحِيحٌ وَكَفَّارَتَهُ بِالصِّيَامِ ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} . وَالْعَبْدُ لَا يَسْتَطِيعُ الْإِعْتَاقَ، فَهُوَ كَالْحُرِّ الْمُعْسِرِ، وَأَسْوَأُ مِنْهُ حَالًا، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُ الصِّيَامِ، سَوَاءٌ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي التَّكْفِيرِ بِالْعِتْقِ، أَوْ لَمْ يَأْذَنْ.
وَحُكِيَ هَذَا عَنْ الْحَسَنِ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ. وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، إنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي التَّكْفِيرِ بِالْمَالِ جَازَ. وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ ; لِأَنَّهُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ يَصِيرُ قَادِرًا عَلَى التَّكْفِيرِ بِالْمَالِ، فَجَازَ لَهُ ذَلِكَ، كَالْحُرِّ. وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، يَجُوزُ لَهُ التَّكْفِيرُ بِالْإِطْعَامِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الصِّيَامِ. وَهَلْ لَهُ الْعِتْقُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ; إحْدَاهُمَا، لَا يَجُوزُ. وَحُكِيَ هَذَا عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ: أَرْجُو أَنْ يُجْزِئَهُ الْإِطْعَامُ. وَأَنْكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ صَاحِبُهُ، وَقَالَ: لَا يُجْزِئُهُ إلَّا الصِّيَامُ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِتْقَ يَقْتَضِي الْوَلَاءَ، وَالْوِلَايَةَ، وَالْإِرْثَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْعَبْدِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لَهُ الْعِتْقُ. وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ.
وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ ; لِأَنَّ مَنْ صَحَّ تَكْفِيرُهُ بِالْإِطْعَامِ، صَحَّ بِالْعِتْقِ، وَلَا يَمْتَنِعُ صِحَّةُ الْعِتْقِ مَعَ انْتِفَاءِ الْإِرْثِ. كَمَا لَوْ أَعْتَقَ مَنْ يُخَالِفُهُ فِي دِينِهِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْعِتْقِ إسْقَاطُ الْمِلْكِيَّةِ عَنْ الْعَبْدِ، وَتَمْلِيكُهُ نَفْعَ نَفْسِهِ، وَخُلُوصُهُ مِنْ ضَرَرِ الرِّقِّ، وَمَا يَحْصُلُ مِنْ تَوَابِعِ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ الْمَقْصُودَ، فَلَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّتِهِ مَا يَحْصُلُ مِنْهُ الْمَقْصُودُ، لِامْتِنَاعِ بَعْضِ تَوَابِعِهِ. وَوَجْهُ الْأُولَى، أَنَّ الْعَبْدَ مَالٌ، لَا يَمْلِكُ الْمَالَ، فَيَقَعُ تَكْفِيرُهُ بِالْمَالِ بِمَالِ غَيْرِهِ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدَ غَيْرِهِ عَنْ كَفَّارَتِهِ. وَعَلَى كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ، لَا يَلْزَمُهُ التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِيهِ ; لِأَنَّ فَرْضَهُ الصِّيَامُ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ غَيْرُهُ، كَمَا لَوْ أَذِنَ مُوسِرٌ لِحُرٍّ مُعْسِرٍ فِي التَّكْفِيرِ مِنْ مَالِهِ.
وَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ الصِّيَامِ، فَأَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي التَّكْفِيرِ بِمَا شَاءَ مِنْ