فهرس الكتاب

الصفحة 3135 من 3896

يَجِبُ الْحَدُّ بِقَذْفِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ حَيًّا. وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَرَوْنَ الْحَدَّ عَلَى مَنْ يَقْذِفُ غَيْرَ مُحْصَنٍ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا ; لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُحَدَّ بِقَذْفِ غَيْرِ الْمُحْصَنِ إذَا كَانَ حَيًّا، فَلَأَنْ لَا يُحَدَّ بِقَذْفِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْلَى.

وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُلَاعِنَةِ: {وَمَنْ رَمَى وَلَدَهَا، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ} . يَعْنِي: مَنْ رَمَاهُ بِأَنَّهُ وَلَدُ زِنًا. وَإِذَا وَجَبَ بِقَذْفِ ابْنِ الْمُلَاعِنَةِ بِذَلِكَ، فَبِقَذْفِ غَيْرِهِ أَوْلَى، وَلِأَنَّ أَصْحَابَ الرَّأْيِ أَوْجَبُوا الْحَدَّ عَلَى مَنْ نَفَى رَجُلًا عَنْ أَبِيهِ، إذَا كَانَ أَبَوَاهُ حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ أَوْ كَانَا مَيِّتَيْنِ، وَالْحَدُّ إنَّمَا وَجَبَ لِلْوَلَدِ ; لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يُورَثُ عِنْدَهُمْ. فَأَمَّا إنْ قُذِفَتْ أُمُّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا، وَهُوَ مُشْرِكٌ أَوْ عَبْدٌ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْأُمُّ حُرَّةً مُسْلِمَةً أَوْ لَمْ تَكُنْ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: إذَا قَالَ لِكَافِرٍ أَوْ عَبْدٍ: لَسْت لِأَبِيكَ، وَأَبَوَاهُ حُرَّانِ مُسْلِمَانِ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ. وَإِنْ قَالَ لِعَبْدٍ، أُمُّهُ حُرَّةٌ وَأَبُوهُ عَبْدٌ: لَسْت لِأَبِيك. فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ لِلْقَاذِفِ عِنْدَ أَبِي ثَوْرٍ.

وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَصِحُّ أَنْ يُحَدَّ الْمَوْلَى لِعَبْدِهِ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ هَذَا قَذْفٌ لِأُمِّهِ، فَيُعْتَبَرُ إحْصَانُهَا دُونَ إحْصَانِهِ ; لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ حَيَّةً، كَانَ الْقَذْفُ لَهَا، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ مَيِّتَةً ; وَلِأَنَّ مَعْنَى هَذَا أَنَّ أُمَّك زَنَتْ، فَأَتَتْ بِك مِنْ الزِّنَا، فَإِذَا كَانَ مِنْ الزِّنَا مَنْسُوبًا إلَيْهَا، كَانَتْ هِيَ الْمَقْذُوفَةَ دُونَ وَلَدِهَا. وَلَنَا، مَا ذَكَرْنَاهُ ; وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقَذْفُ لَهَا، لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ ; لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمَ، وَالْعَبْدَ لَا يَرِثُ الْحُرَّ ; وَلِأَنَّهُمْ لَا يُوجِبُونَ الْحَدَّ بِقَذْفِ مَيِّتَةٍ بِحَالٍ، فَيَثْبُتُ أَنَّ الْقَذْفَ لَهُ، فَيُعْتَبَرُ إحْصَانُهُ دُونَ إحْصَانِهَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -.

(7239) فَصْلٌ: وَإِنْ قُذِفَتْ جَدَّتُهُ، فَقِيَاسُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّهُ كَقَذْفِ أُمِّهِ، إنْ كَانَتْ حَيَّةً، فَالْحَقُّ لَهَا، وَيُعْتَبَرُ إحْصَانُهَا، وَلَيْسَ لِغَيْرِهَا الْمُطَالَبَةُ عَنْهَا، وَإِنْ كَانَتْ مَيِّتَةً، فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ إذَا كَانَ مُحْصَنًا ; لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْحٌ فِي نَسَبِهِ. فَأَمَّا إنْ قَذَفَ أَبَاهُ أَوْ جَدَّهُ، أَوْ أَحَدًا مِنْ أَقَارِبِهِ غَيْرَ أُمَّهَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ بِقَذْفِهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا أَوْجَبَ بِقَذْفِ أُمِّهِ حَقًّا لَهُ، لِنَفْيِ نَسَبِهِ، لَا حَقًّا لِلْمَيِّتِ، وَلِهَذَا لَمْ يُعْتَبَرْ إحْصَانُ الْمَقْذُوفَةِ، وَاعْتُبِرَ إحْصَانُ الْوَلَدِ، وَمَتَى كَانَ الْمَقْذُوفُ مِنْ غَيْرِ أُمَّهَاتِهِ، لَمْ يَتَضَمَّنْ نَفْيَ نَسَبِهِ، فَلَمْ يَجِبْ الْحَدُّ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ كَانَ الْمَيِّتُ مُحْصَنًا، فَلِوَلِيِّهِ الْمُطَالَبَةُ بِهِ، وَيَنْقَسِمُ انْقِسَامَ الْمِيرَاثِ ; لِأَنَّهُ قَذَفَ مُحْصَنًا، فَيَجِبُ الْحَدُّ عَلَى قَاذِفِهِ، كَالْحَيِّ.

وَلَنَا أَنَّهُ قَذْفُ مَنْ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْمُطَالَبَةُ، فَلَمْ يَجِبْ الْحَدُّ بِقَذْفِهِ، كَالْمَجْنُونِ، أَوْ نَقُولُ: قَذَفَ مَنْ لَا يَجِبُ الْحَدُّ لَهُ، فَلَمْ يَجِبْ، كَقَذْفِ غَيْرِ الْمُحْصَنِ، وَفَارَقَ قَذْفَ الْحَيِّ، فَإِنَّ الْحَدَّ يَجِبُ لَهُ.

(7240) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ قَذَفَ أُمَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُتِلَ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا)

يَعْنِي أَنَّ حَدَّهُ الْقَتْلُ، وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ. نَصَّ عَلَيْهِ. أَحْمَدُ. وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً أُخْرَى، أَنَّ تَوْبَتَهُ تُقْبَلُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا ; لِأَنَّ هَذَا مِنْهُ رِدَّةٌ، وَالْمُرْتَدُّ يُسْتَتَابُ، وَتَصِحُّ تَوْبَتُهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت